الثقافة العربية وتحديات العصر

كلمة القيت في إجتماع " الملتقى الثقافي العربي في برلين " بتاريخ 5/7/2003

مهند إبراهيم أبو لطيفة برلين

الزميلات والزملاء الأعزاء

من الواضح لكل متابع للمتغيرات العالمية والإقليمية المتسارعة أن عالمنا العربي يمر بمرحلة شديدة الحساسية والتعقيد بفعل الهجمة الأشرس في التاريخ المعاصر ، لا سيما أنها تطال جميع نواحي الحياة وعمق البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبالتالي النفسية لدولنا وشعوبنا العربية.

المداخلة ستركز بشكل سريع على أهم ملامح هذه المرحلة من الناحية الثقافية والتحديات التي تواجه ثقافتنا العربية وبالتالي الاستحقاقات التي يجب رصدها بعناية .

تحت مسميات مختلفة ابرزها " الحداثة الفكرية " تتعرض ثقافتنا العربية الى هجمة تطال هويتنا الحضارية العربية والانسانية بشكل غير مسبوق ، والواضح أن هذه الهجمة تلقى تشجيعا مباشرا وغير مباشر من دول العالم المختلفة وكذلك الأنظمة العربية التابعة ، المتواطئة أو العاجزة.

يتركز الضغط الداخلي والخارجي على الجماهير العريضة من شعوبنا العربية ، ولذلك نجد أن القدرة على الدفاع عن النفس محدودة للغاية وتتسم بمظاهر متعددة مشتتة ، لا تعبر بالضرورة عن الطاقات الحقيقية الكامنة في المخزون الحضاري العربي ويمكن تحديد اتجاهات هذا الرد - في ظل غياب الفعل المؤثر وغياب المشروع الثقافي او الحضاري المتماسك بما يلي :

الإتجاه الأول : يميل للتأقلم مع جوهر الإختراق الثقافي والتعاطي معه ، كما تواطأ دائما مع الأنظمة المستبدة وكان جزءاأ من أزمة الثقافة العربية. وهو ما اصطلح على تسميته " مثقف السلطة " .

الإتجاه الثاني : الرافض بشدة للهجمة الشرسة على ارضية الإنتماء الأيدولوجي الوطني والقومي والإنساني . وهو إتجاه مناضل ومكافح ، ولكنه تعرض تاريخيا للقمع والبطش ، وفي نفس الوقت عجز عن تطوير مشروعه الثقافي الخاص أو برنامجه البديل ، ناهيك عن سقوطه في مُستنقع الشعاراتية والتحالفات الغير مبدئية مع أنظمة إستبدادية ، وغياب الديمقراطية في علاقاته الداخلية وثقافته السياسية.

الإتجاه الثالث : التيار " المُنبطح أرضا " وهو التيارالسلبي الإنعزالي اليائس والمحبط المُبتعد طوعا عن المشاركة في الحياة الثقافية وتركيزه على المصالح الأنانية الضيقة بالرغم من حساسية المرحلة .

الإتجاه الرابع : الباحث في التراث عن آليات للرد والمواجهة ، وهو التيار الذي يمثل مجازا ما يسمى " بالحالة الكفاحية المتقدمة " وهو إتجاه متشعب ، ولكنه منظم تنظيما جيدا ولديه القدرة على التفاعل المحدود ، واستطاع أن يؤثر بشكل كبير على المشهد الثقافي العربي في السنوات الماضية وبالتالي السياسي ونجح بشكل ملموس في إايجاد قاعدة جماهيرية عريضة تتجاوب مع طروحاته ، ولكنه يُمثل جانبا واحدا من جوانب الموروث الثقافي العربي ولا يستطيع أن يقدم وحده - البديل الحضاري للخروج من الأزمة العامة التي تعانيها ثقافتنا العربية ، وبالرغم من بسالة هذا التيار في الدفاع عن ثقافته إلا أنه يمثل حالة مرفوضة عالميا ، لإقتران فكره بالعنف وأحيانا الإرهاب الحقيقي. وكما تم استغلال هذا الاتجاه سابقا في الحد من تقدم التيارات الأخرى ، يتم إاستغلاله عالميا لتبرير الإستعمار الجديد القائم بالطبع على دوافع أخرى ، والمٌُستند على إستراتيجيات ثابتة وقديمة شعارها الأساسي " الصراع الحضاري " .

الإتجاه الخامس : وهو الحلقة الأضعف في كل هذه المعادلة وهو ما يمكن تسميته بتيار الثقافة الليبرالية ، ويتلخص دوره في استيعاب المرحلة والإعتماد على المخزون الثقافي الهائل للمنطقة العربية وذاكرتها الحضارية وابراز خصوصيتها بعقلانية وموضوعية ، ويركز على " الهوية من منظور فهم تاريخي للتراث وليس من منحى تشبث تراثي بالتراث " ، ولكن على أساس التمسك بفهم حضاري للصراع ، لا يساوم على قضايا الاستقلال الوطني والقومي بعيدا عن الهيمنة والتبعية والاستعمار الجديد ، ويسعى هذا التيار لدراسة التطور التاريخي والاجتماعي والاقتصادي بأدوات عصرية وترجمة ذلك في مُنتجه الثقافي حسب الامكانيات ويتبنى أفكار المجتمع المدني. وهذا التيار بالتحديد ليس له مكان في الثقافة السائدة . وسيبقى كذلك في المدى المنظور.

تجد هذه التيارات المذكورة تعبيرها في صيغ حزبية ونقابية ومؤسساتية وفردية ، ولكل منها أدواته الثقافية التي يُعبر عنها مع تفاوت امكانياتها وحجمها ونوعها. وتواجه هذه التيارات تحديات كبيرة حاليا ومستقبلا لا بد لها أن تتعاطى معه ، ويمكن تحديد ابرز ملامحه فيما يلي :

أولا : عودة الاستعمار الجديد بشكل مباشر على حساب الطموحات الوطنية والقومية وهذا هو التحدي الأبرز للثقافة العربية.

ثانيا : إزدياد مظاهر البطش والقمع من قبل السلطة وبشكل مفضوح ، يلقى تشجيعا من قبل المستعمر الجديد.

ثالثا : تعميق النزعة الإقليمية والطائفية على حساب الفكر القومي كمحاولة للحفاظ على الذات والخصوصية الثقافية في وجه الإختراق الثقافي وفي ظل التشرذم السياسي القومي.

رابعا: انتشار ثقافة الاستهلاك على حساب الثقافة الأصيلة نتاجا لتبني خيارات اقتصادية أو سياسية تتماشى مع اخطبوط العولمة الكونية ، وازدياد الكم على حساب النوع ، وهذا سيكون التحدي الثقافي الاكبر امام المثقف العربي المسكين فعلا والمغلوب على أمره. وستزداد محاولات تهميشه من المعادلة الاجتماعية.

خامسا : ستظهر الثقافة العربية في حالة يرثى لها في محيط الثقافة العربية لأن عناصر قوتها غائبة حكوميا ومؤسساتيا ، ويكفي العلم أن 65 مليون عربي من البالغين أميين منهم 3/2 من النساء كما جاء في تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002 الصادر عن الأمم المتحدة - مع ملاحظة أن الأمية هي عدة أنواع :

- الأمية الأبجدية الأمية الثقافية ( الأكاديميين بدون ثقافة ) - الأمية التقنية أو التكنولوجية ( استخدام أبسط الوسائل التكنولوجية ).

- اضافة الى وجود 10 ملايين طفل تتراوح أعمارهم من ست الى خمس عشرة سنة غير ملتحقيين بمدارس ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة عام 2010 الى 40% .

كما يستخدم شبكة الانترنت حوالي 6.0 في المائة من السكان فقط.

- ويبلغ إنتشار أجهزة الحاسوب الشخصي- في عصر التكنولوجيا وثورة المعلومات 2.0 في المائة فقط.

كذلك لا يزيد الاستثمار في البحث والتطوير عن 5.0 في المائة من الناتج القومي الإجمالي ، أي اقل من ربع المتوسط العالمي.

سادسا : ستزداد الدعوات السلفية والأصولية وستجد لها مناخا رحبا للاستقطاب والتنظيم على أسس غير منهجية او طبيعية ، وبالتالي إزدياد النزعة الراديكالية في الفكر والممارسة وبالطبع تنعكس على المُنتج الثقافي.

وتحت تأثير السياسات الإستعمارية النافية لكل الأعراف الإنسانية ستجد قطاعات واسعة من المثقفين العرب نفسها منحازة فطريا رغم ثقافتها ألى جانب هذه النزعات. واذا عرفنا أن التدين له عدة مظاهر منها التدين الشعبي والحزبي والرسمي ، فسيشهد التدين الشعبي إنحسارا لصالح التدين الحزبي مستقبلا .

إستنادا على هذا التحليل السريع تبرز إستحقاقات المرحلة المقبلة وهي كثيرة منها :

- الدفاع وبكل وضوح وبصوت مسموع عن حق الشعوب في الحرية والاستقلال وتقرير المصير ورفض الاستعمار الجديد بكافة أشكاله وصوره.

- إحترام التعددية الثقافية وحقوق الانسان ورفض العنف والبطش والديكتاتورية ( لا تعددية ثقافية بدون تعددية سياسية ) .

- التخلص من تقاليد التواطؤ والمساومة مع موروثات الفكر القبلي الرسمي أو الحزبي التقليدي وعدم الخضوع له ، وعدم السماح لهذا الفكر البائد من إستغلال الملكات الثقافية بما لا يخدم الإبداع.

- الحذر من الاغتراب والتقوقع ، والسعي للأنفتاح الواعي على ثقافة الآخر إعتمادا على الذاكرة الثقافية الوطنية والقومية بشكل خاص ، والثقة بالمروث الحضاري الكبير لثقافتنا العربية.

- عدم تشجيع الثقافة الاستهلاكية وتطوير بدائل عصرية اصيلة حسب الامكانيات.

- المطالبة المستمرة باحداث اصلاحات وتغييرات جذرية وليس شكلية في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وهذا يعني ايضا تغيير انماط الحكم وتداول السلطة وليس تداول الاستبداد.

- عدم الاستسلام الى الثقافة الاستعمارية الجديدة على انها ثقافة الكون كله وستبقى كذلك لأنها زائلة.

- إستخدام التقنيات العصرية الحديثة لدعم المُنتج الثقافي ، وزيادة مساحة الفعل والتـاثير والاهتمام بجودة المُنتج الثقافي .

- الابتعاد عن الشعاراتية الجوفاء التي تلهب مشاعر البسطاء ، ليستفيق هؤلاء دوما على كوابيس مرعبة .

- الاهتمام بثقافة الطفل والابداع النسائي وكذلك رعاية الشباب بشكل خاص للحفاظ على هويتهم الثقافية الانسانية الاصيلة.

- الإنتاج ثم الإنتاج ثم الإنتاج باللغة العربية اساسا والاهتمام بالنشر على نطاق اوسع.مع عدم اهمال الترجمة والكتابة بلغات اخرى.

- عدم التقليل من أهمية الفنون على إختلافها في التعبير عن المظهر والمضمون الانساني للثقافة العربية.

مما لا شك فيه أن التحديات التي تقع على عاتق المثقف العربي مستقبلا لا يمكن تصور عمقها وصعوبتها في ظل الضعف العام للدولة الوطنية والمؤسسات وهشاشة القوى الديمقراطية ، وحدة الصراع مع المستعمرين الجدد ، إلا أن الخيار الوحيد المتبقي هو

. لا للهيمنة والاختراق الثقافي القصري على حساب طموحاتنا الوطنية والقومية والإنسانية.