12.05.2006

 

جميل الساعدي 

بطاقة تعريف

        ولد جميل حسين الساعدي في بغداد عام 1952.

   كتب الشعر صغيراً ولما يبلغ الرابع عشرة من عمره ونشر في صغره العديد من القصائد في الصحف العراقية المعروفة حتى لقّب بالجواهري الصغير.

        أخذ الجائزة الأولى في مسابقة أجرتها ثانويات القطر العراقي عام 1969.

        صدر ديوانه الشعري الأول "اللواهب" عن دار الحوادث في بغداد عام 1975.

        شارك في العديد من المهرجانات الشعرية المحلية وأصبح عضواً في اتحاد الأدباء العراقيين.

   صدر ديوانه الشعري الثاني "رسائل من وراء الحدود" في بيروت عام 1980عن دار المعارف. ترجم إلى اللغة الألمانية ومنها إلى البولونية عام 1982.

        حصل عام 1988 على شهادة الماجستير في الأدب الألماني في الجامعة الحرة ـ برلين.

   صدرت الطبعة الأولى من روايته "تركة لاعب الكريات الزجاجية" باللغة الألمانية عام 1990 عن دار النشر إيرلن فلاك، وباللغة العربية عام 1995 عن دار برديات.

        المشاركة في مهرجان الشعر العالمي في روتردام، حيث قرأ قصائده باللغة الانجليزية.

        المشاركة في كتاب ضد الحرب في منطقة يولش مع مجموعة من الكتاب عام 1991.

   صدور روايته تركة الكريات الزجاجية 1995 التي حاضر عنها في  دار الثقافات العالمية في برلين في السنة نفسها، وقد صدرت الرواية باللغة العربية عن دار غريب عام 2005 في القاهرة.

   صدر ديوانه الشعري الثالث بعنوان أناشيد زورق عام 2005 وصدر ديوانه الشعري الرابع "طقوس" عام 2006 وكلاهما صدرا عن دار غريب في القاهرة للطباعة والنشر.

        ترجم العديد من قصائده إلى اللغات الأجنبية، كما صدرت له مقالات وقصائد في مجلات وصحف ألمانية.

 

مختارات من ديوانه الأخير
طقوس
دار غريب ـ القاهرة
الطبعة الأولى ـ 2006


الغريبان
ولما التقينا بلا موعدٍ غريبين في عيد رأس السنهْ
شعرتُ بميلٍ إليك يلحُّ كميلِ الفراشِ إلى سَوسَنهْ
ومن بعدُ كان الهوى طفلنا وكان علينا بأن نحضنَه
ومرّ زمانٌ وأرواحنا تعبُّ كؤوس الهوى مُدمنَهْ
لماذا أحبّك لا تسألي فلم يكشفِ الحبُّ لي معدنهْ
قوامُكِ أجملُ ما قدر رأيتُ فسبحانَ.. سبحانَ من كوّنه
ولكنّ حبي تخطى القوامَ تخطّى الجمالَ الذي زيَّنَه
فما كان هذا القوامُ الجميلُ ليشغلَ قلبيَ أو يفتنَهْ
أُحبّكِ يا حلوتي هكذا ولا أعرفُ السرَّ كي أعلِنَهْ
أحبّكِ من قبل أن نلتقي ومن قبل أن تنطلقَ الألسنَه
ومن قبل أن يحتوينا المكانُ ومن قبلُ أن تولَدَ الأزمنه


نزوة
هكذا قد خدعتكِ النزواتْ بعْتِ عمراً كاملاً في لحظاتْ
اذكري فضلي الذي نلتِ ولمْ تستحقيه كباقي السيداتْ
حين أعلْتُكِ يا سيّدتي علناً فوقَ النساءِ الأخرياتْ
حاولي أن تفهميني مرّةً إنني قلبٌ وما كنتُ حصاةْ
إنّ في الحبِّ الذي يسكنني ولَعَ الطفلِ وخوفَ الأمهاتْ
لا تقولي إنني مستهترٌ ثائرٌ ضدَّ قوانين الحياةْ
كلُّ ما في الأمرِ صحوي عادَ لي فرأيتُ الحبَّ في عينيكِ ماتْ


لا جديد
برغم الجحود الذي يستفزُّ ورغمَ الدموعِ التي قدْ سكبتُ
أعودُ إلى لعبتي من جديدٍ وأنسى بأني مراراً جُرِحتُ
وأعرفُ أن الطريق طويلٌ وأوهمُ نفسي بأني وصلتُ
وكم مرةً قلتُ إني أتوبُ عن الحبِّ لكنّني ما استطعتُ
ففي لعبةِ الحبِّ شيءٌ خفيٌّ من السحرِ يجذبني إن هربتُ
فحالي كما هي ما بينَ بين فلا أنا حيٌّ ولا أنا ميتُ
. . .
أقرُّ صريحاً بأني خدعتُ خسرتُ حياتي وقلتُ ربحتُ
لقد سرقَ الحبُّ عمري وإني رجعتُ وحيداً كما قد بدأتُ
أنا وسطَ النارِ منذ سنينٍ فلا تسكبي الزيتَ إني احترقتُ
أعيدي إليّ هدوئي الجميلَ فمنذ عرفتكِ ضاعَ وضعتُ
لكِ الشكرُ أيقظتني من سباتي لكِ الشكرِ إني أخيراً صحوتُ
سأختم تاريخَ حبي الطويلَ وأحرقُ كلَّ الذي قد كتبتُ
فلا شيء فيك جديدٌ فأنتِ ككلِّ النساءِ التي قد عَرَفتُ



زهور ذابلة
إلى كم تعيدين هذا الحديثَ حديثُكِ في الحبِّ ما أطولَهْ
فما عادَ فيه جديدٌ يُثيرُ وأشبَهَ آخرُهُ أوّلَهْ
زهورُ المحبّةِ كانت هنا فكانَ الربيعُ وما أجملَهْ
فمن جعلَ الروضَ يشكو الجفافَ ومن أحرقَ الزهرَ .. من أذبَلَهْ
وطيرُ الأماني وغرّيدها بقيْدِ المخاوِفِ من كبّلَهْ
فأنتِ التي من رَمَى حبّنا بنارِ الشكوكِ لكي تقتله
وليس كلانا كما تدّعينَ فقولي الذي شئتِ لن أقبَلَه
فقد يرتقي الحبُّ حتى السماء وقد يتدلّى إلى مهزلهْ
ملاذي هو الصمتُ لا تفسديه بسردِ الحكاياتِ والأمثلهْ
أنا من تسنّمَ موجَ البحارِ بغيرِ دليلٍ ولا بوصلهْ
فأبحرَ مستهدياً بالشعورِ وضيّعَ من عمرهِ أجمَلَهْ
فهمّي كبيرٌ بحجمِ السماءِ بحجمِ المحيطاتِ ما أثقلَهْ
وفي النفس جُرْحٌ عميقٌ غفا فلا توقظي الجُرحَ بالأسئله
حسبتُ الأمورَ وجدولتها فتاهَ الحسابُ مع الجدولَهْ
وجدتُ الأزاهيرَ شوكاً وعادَ فؤادي بعكسِ الذي أمّلهْ
فلا عجبٌ أن يثورَ القبيحُ وينكرَ صنعَ الذي جمّلَهْ
سماحي كبيرٌ فلا تطمعي بأن أُسلمَ الرأسَ للمقصَلَهْ
غفرتُ ذنوبَكِ فلتتركي ستارَ الختامِ لكي أُسدِلَهْ
فما أذهلَ القلبَ وقعُ الصعابِ ولكنّ غدرَكِ قد أذهلَهْ
حذارِ من الكيدِ لي مرّتين فقد أتفجّرُ كالقنبلهْ
أفيقي من الوهمِ بالانتصارِ فلن تربحي الجولةَ المقبَلهْ
لأنّ اصطيادي عسيرٌ وقد برئتُ من الوهم والأخيلَهْ
فقدتِ فؤاداً ولن تملكيه لأن النجومَ غدتْ منزِلَهْ


حب بلا حدود
إنّي أحبُّ بلا حدودٍ حلْوتي فسعادتي أن لا تكونَ حدودُ
أنا في الطبيعةِ كالطيور، رفيقتي حرّيتي، وعدوّيَ التقييدُ
في داخلي ولَعُ النوارس، حبّها للبحر، بل حبي، يكادُ يزيدُ
ما من جديدٍ يستثيرُ مشاعري إلا هواكِ فإنّه تجديدُ
أنتِ البدايةُ والنهايةُ والهوى قدري وإني الميّتُ المولودُ
أنا إن صعدتُ إلى النجومِ مسافراً فإليكِ مهما قد بعدْتُ أعودُ
بل قد تآلفتِ المشاعرُ كلُّها وتوحّدتْ وعقيدتي التوحيدُ
ماعاد للأشواكِ ذكرٌ في فمي إنّ الطريق زنابقٌ وورودُ
أدركتُ مُذ غرقتْ جميعُ مراكبي إني أحبُّ إذاً أنا موجودُ


لا أمل في البقاء
كشفتُ خداعَكَ هذا المساءَ ومزّقتُ عن وجهِكِ الأقنعهْ
لهذا نويتُ الرحيلَ غداً نويتُ التعلّقَ بالأشرعَهْ
فلا ترغميني على الانتظارِ فإن انتظاري بلا منفعهْ
فهاتِ الحقيبَة آن الأوانُ لأن أختمَ القصةَ المُفجعَهْ
ولا تأملي أن يعود الفؤادُ إلى المستحيلِ الذي ودّعَهْ
فثوري زوابعَ مجنونةً فلن أخفضَ الرأس للزوبَعَهْ
ودمع العيون الذي يسكبين رخيصٌ لديّ فما أضيعَهْ
فمن كان في الحبّ يجري الدموعَ دموعُ التماسيح لن تخدَعَهْ
لقد كشفَ القلبُ كذبَ الدموعِ وزيفَ المساحيقِ والأقنعهْ
نويتُ الرحيلَ ولن يستطيعَ توسُّلُ عينيكِ أن يمنعَهْ
فما أملٌ في البقاء هنا يعيدُ إلى القلبِ ما ضيّعَهْ
فلن تخرج الريحُ عن طبعها وتأتي بما تحلُمُ الأشرعهْ
غداً سأودّعُ هذا المكانَ وحبّي العقيمَ وحزني معَهَ
أسافرُ أبدعُ كوني الجميلَ وأغرقُ في نشوتي المُبدعَهْ
وأرسمُ كالنهرِ خطّ المسيرِ وليس سوى الحبّ من أمتعَهْ


طقوس صامته
لا تشغليني بالحديث لأنني في الصمتِ يشغلني الهوى الغلاّبُ
وأرى الجمال إذا صمتُّ مفكراً إن الحديثَ عن الجمالِ حجابُ
إن التفكّرَ في الجمالِ عبادةٌ تجلو الفؤادَ فتُفتَحُ الأبوابُ
الحسنُ معنىً كالمحبّةِ ساكنٌ أعماقنا لا صورة وثيابُ
إني ليبلغني التفكرُ نشوةً أضعافَ ما تأتي به الأكوابُ
كُثْرٌ محاريبُ الجمالِ وإنما الكونُ كلُّ الكونِ لي محرابُ
سألوا: أأنتِ حبيبتي فأجبتهم بالصمتِ، فالصمتُ العميقُ خطابُ
إن الإجابةَ حينَ يفتضحُ الهوى عبثٌ، ففي بعض السؤالِ جوابُ
ولكم أثاروا في غيابي شكّهم لمَ قد عشقتُكِ؟ ما هي الأسبابُ؟
إني أحبّك هكذا بتجرِّدٍ معنىً، فما الأسبابُ والأنسابُ
في الحبِّ تنصهرُ الفروقٌ وتختفي نَسَبُ الحبيبِ وتسقطُ الألقابُ
لا شيءَ غيرُ الحبِّ يجمعنا معاً إن لم نعشْهُ فإننا أغرابُ


حب وحيرة
تاهت خطايَ وقلبي تاه مسعاهُ أوّاه مما ألاقي منكِ أوّاهُ
قد قلتِ لي إن هذا الدربَ يجمعنا فكيفَ أنكرني لما سلكناهُ
ما كان في الدربٍ لا أسٌ ولا زهرٌ وإنما الشوك والعلّيق غطّاهُ
الحبُّ ليس هو الأهواءُ طائشةً فكيف يجتمع الشيطانُ واللهُ
آمنت بالحبِّ إيماناً بخالقهِ كالطّفلِ ـ ما عشتُ ـ أحميهِ وأرعاهُ
الحبُّ هوّنَ آلامي وصبّرني ما كنت أصبرُ هذا الصبرَ لولاهُ
تقلّبٌ فيك قد أمسيتُ أحذرُهُ ولست أأْمنُ بعد اليوم عُقباهُ
كالطقسِ حُبِّكِ لا صحوٌ ولا مطرٌ أصحبتُ أهربُ منه صرتُ أخشاهُ
لُغزٌ يبعثرُ أفكاري وينثرها فما أحيطُ بشيءٍ من خفاياهُ
حبٌّ كحبِّكِ شيءٌ لست أفهمه لو استطيع بأن أنسى سأنساهُ
لكنه مثلما الأقدارُ في أثري مهما تخفّيتُ عنهُ سوفَ ألقاهُ
. . .
شكوتُ لم أجْنِ بالشكوى سوى ألمٍ صبرتُ حتى شكاني الصبرُ والآهُ
ينتابني الخوف من رأسي إلى قدمي والشك تعبثُ في الأعمق كفّاه
وأنتِ باللامبالاة التي ملأتْ ديناكِ هدّمتِ صرحاً قد بنيناهُ
كم قد نصحتُ وكم حذّرتُ ما نفَعَتْ نصائحي وأضاع القولُ معناهُ
هزئتِ بي وبجرحي مثل طاغيةٍ يحسُّ بالزّهو إن أنّتْ ضحاياهُ
مضى من الحبّ لو تدرين أكثرُهُ فلتنقذي ما تبقّى من بقاياهُ
الحبّ كالنبتِ يذوي حينَ نهملُهُ لكن سيحيا وينمو لو سقيناهُ
خيطٌ رفيعٌ من الآمالِ نمسكهُ حذارِ مما سيأتي لو قطعناهُ
الحبُّ ليس بثوبٍ نحنُ نلبسُهُ إذا أردْنا وإن شئنا خلعناهُ
بل إنه لغةٌ تحيي مشاعرنا فأيُّ معنىً لعيشٍ لو فقدناهُ
لا تقرنيه بأشياءٍ تُغايرُهُ لكلِّ شيءٍ من الأشياء دُنياهُ
وجرّديه من الألقابِ قاطبةً قد يقتلُ الحبَّ فينا المالُ والجاهُ
إن نخسرِ الحبَّ قامرنا بأنفسنا فما يعوّض شيءٌ ما خسرناهُ
أين الحديثُ الذي كالخمرِ أسكرنا وأين سحرُ الذي كُنا كتبناهُ
هل كان كلُّ الذي قلناهُ تسليةً تُريحنا من زمانٍ قد سئمناهُ
قولي لماذا أنا أهواكِ حيّرني هذا السؤالُ فهل أدركتِ فحواهُ
منحتُكِ الحبّ والإخلاصَ مُنتظراً أن يمنحَ الحبُّ قلبي ما تمناهُ
وهمٌ حلمتُ به في نشوتي زمناً لما أفقتُ وجدْتُ الصحوَ عرّاهُ
أدركتُ من بعد أعوامٍ مَضَتْ هَدَراً أن الجنانَ جحيمٌ سوفَ أُصلاهُ
. . .
مسافرٌ أنا قد ضعيّتُ قافلتي ومُبحرٌ ليسَ يدري أين مرساهُ
أنا الغريبُ الذي في الشرق مولدهُ لكنّما في بلاد الثلج سُكناهُ
أراد بالحبِّ أن يُنهي تغرُّبَهُ فأصبح الحبُّ منفىً جَنبَ منفاهُ
ما بين جنبيهِ حُزنُ الشرقِ يحملُهُ رغمَ السرورِ الذي يوحيه مرآهُ
كنورس البحر يبكي وحده ألماً والبحرُ يهدرُ لا يدري بشكواه
 

 

 

   الروائي والشاعر  صبري هاشم