صبري هاشم  روائي وشاعر من العراق من مواليد البصرة 15 ـ 2 ـ 1952

       أصدر الكتب التالية :

       1 ـ رقصة التماثيل    رواية

       2 ـ ليلة ترخم صوت المغني   قصص

       3 ـ خليج الفيل     رواية

       4 ـ الخلاسيون   رواية

       5 ـ  حديث الكمأة    رواية

       6 ـ أطياف الندى  شعر

       7 ـ جزيرة الهدهد  شعر

 

   الروائي والشاعر  صبري هاشم

 

           حين زرتني في المرّة الأخيرة

           شعّ في عينيك دمع

           وفاض بالنطق مُحيّا

           حين زرتني للمرّة الأخيرة

           سألتك في غمرة العناق

           فيك أشمّ رائحة العراق

           هل أنتَ العراق  ؟

 

 

         ذاكرة

 

فتنتني الكمأة .. إلى لطفها أخذتني

أغوتني عزلتها الباهرة

دفعني الفضول إلى مخبئها المتشقق الوجه

طويلاً حيرني سلوكها :

لِمَ تنزع للتمويه ؟.. لِمَ تضع حجاباً وهمياً يتسرب منه الدفء اللذيذ

إلى غريزة غازي أو طالب ليدها ؟

لم تكن بهية .. قبيحة كانت ولعوباً

اللعنة ..

الكمأة تستهويني مثلما تستهويني حنجرة مغني الفصول ، الذي ينأى بها عن الابتذال .

كيف اقتحم عليها الخَلوة وأُجردها مما يسترها ؟

فهي بهذا الستر الإباحيّ تعلن عن نفسها كأميرة ..

حورية البوادي .. واحدة من بنات القصور

مرة ، كنت في السادسة ، أذهلني صوت جدّي الدافئ :

غداً نغزو

مَنْ  ؟

الكمأة !

على أجنحة من نسيم حملني الفرح وطوّح بي في سماوات شفيفة .

لم أنم تلك الليلة .

عاودني الصوت :

سوف تفتنها بفتوتك .. تُخرجها من كمونها ليغمرها الضياء .. لتستحمّ بالشمس .

أين ؟

في عقر دارها .

جمعناها .. الكمأة ... حوينا الكمأة

بعدئذ لم أرها .

أربعون سنة مرّت .

 

  فصل النهاية

     1

    احتطب في أشطر الليل الأخيرة بعض قوّة لمواجهة اندفاعات الأصباح الفتيّة ، فالزلتسيات *

 عادة ما يُعطرن الندى المتساقط على وجه الفجر بقرنفل اللذّة .

   في بداية شطر الصحوة أخرج ، حيث ما تزال المدينة تُباري أفراسها في مضمار

 يطلّ على نهر لاينة ** ، الذي يُخاصم اللون وطعم الألفة ويتجنب همساً ينحدر إليه

 من شرفات  أدمنت الخلوة ، وإذا ما أزفت ساعة وأُترِعت الكؤوس ثم دارت على الجُلاَّس ،

 اكتنزت شيئاً من دفء إنساني مبهج وشحنة من سحر ليلي وكمنت لاصطياد الصبح .

   أُردد في قرارة نفسي :

ـ عوّدتني على المجيء قبل انطفاء الغبش ، أو كلما هبّت أنفاس اللوعة .

   هذه الليلة قررت ألاّ أخرج .. في أيّ شطر من أشطر الليل لا أخرج ، و إلى أي وجهة لا أخرج .

 قلبي إلى خولة ، التي ستأتي مساء ، رفّ . روحي الذي يهفو إليها سيدقّ أجراساً معلقة إلى روحها .

قررت ألاّ  أخرج .

 تأتي  !

أعلنت على صمت البيت :

ـ خولة تأتي .

وفي محفل الذاكرة يُخدِّر نَفْسي ذكرها . أتلقاها ملهوفاً متى ما أقبلت ، من أعماق سحيقة ، ضاحكة .

ـ أُحبك خولة .

سأقولها دهراً .. ليل نهار .. وبك إلى أجمل سماء عرفتها الأساطير ، سأطير .

تُعرِّش في رقبتي

ـ أعشقك خولة .

كلمة سألهج بها على مرِّ الفصول

هل يفهم أحد هنا  ؟

حسرتي على مَنْ فهمني وضاع منِّي  !

أنا عاشق يا أهل زلتسا

أنا عاشق أيها الهانوفريون

أنا عاشق أيها الساكسونيون

أنا عاشق وبي اشتياق إلى خولة التي لم تأتِ قبل ذروة اللهفة .

***

 

 فصل البداية

  2

   ونحن على ضفّة ، مقمرة من فوقها السماء ، ضحك القمر وبانت أسنانه اللؤلؤ . هزّتني خولة :

ـ أما رأيتَ   ؟

ـ ماذا  ؟

ـ غازلني القمر .

ـ أيها القمر اللعين اغتصبتَها في غفلة منّي  .

***

 

فصل النهاية

 2

   طلع النّهار ولم تأتِ خولة  ... غضبت ورود الشرفة ، فلم تُطلق عنقاً في ريح ولم تسبح في مطر .

   حزنت زنابق الندى وبعضها انتحر ، وبعضها وجدته طافياً بلا رؤوس في نهر .

   هتف صدري  :

ـ خولة لم تأتِ .

   ربما ظلّت تبحث عن عشبة أضاعتها ، على مشارف البادية ، قافلة .

   ربما راودتها السماء ولاذت طوال الليل بالعراء .

   ربما احتمت بخميلة يتراقص للنسيم حنين أزهارها .

   ربما اهتدت متعبة وقيل لها اسقي الزهر .سقته وظلّت تجمع     الرحيق من تويجات سكرى .

 تويجاً تُقبِّل وآخر تُدلل ، فيدلها على آخر ، وهكذا حتى تُعطِّر الهواءَ أنفاسُها .

   ربما تحطّمت على الطريق قطارات  .

   ربما تاهت سفائن  .

   ربما نُثِرت رماداً

   ربما ... ربما ...

   طقَّ روحي ..

    ندهتُ :

 يا خولة الياسين هل احتفلتِِ مع التوت بريح مُسَخَّرة  ؟

هل عنّفتكِ طحالب المسافة  ؟

هل وجدتِ مَنْ يحرس الصخر ؟

ومِن أيِّ مفترق هو  ؟

يا خولة لقد سحقتني الذاكرة  !

ثم أطلقتُ عينيّ للسماء و روحي للدعاء  :

ربِّ أنقذني من ذاكرة في الليل تتعهر وتؤرقني  .

أنقذني من ذاكرة تتفحل ضحىً .

من ذاكرة متهيجة ليل نهار .

من ذاكرة قاهرة ، قاتلة .

 ***

 فصل البداية

     1    

   كنتُ أُقلِّد البلبل الذي تسيَّد فضاء الحديقة وعانق النخل حين سَدّتْ وجه الطريق شاحنة نقل بيضاء اللون

 يقودها رجل في الخمسين من عمره . شاحنة تحمل متاعاً قليلاً فقيراً لقوم مُتْعَبيْن . تلتها حافلة بيضاء اللون أيضاً،

 تحمل بشراً مِن بينهم صبيان وصبايا ، لفظتهم الجنّة في لحظة غضب ، كأنهم الحور العين .

لم نسأل عن أصلهم وفصلهم ومِنْ أين قدموا ومتى عن ديارهم نزحوا  ؟ لكن نظرة عابرة على وجوه شيوخهم

وهيبة نسائهم ، تُخطرك أنهم من كرام القوم ومِن أشراف الخلق .

   لم تمضِ ساعة حتى إلى حيِّنا صاروا .. إلى جوارنا سكنوا ، و خولة من ضمنهم . خولة جوهرة فاتنة

 هبطت من السماء في غفلة الملائكة .. نبتة بسقت من أرض طيبة فاح أريجها . دنوت منها ..

 سكبت في أُذنها قطرة معرفة :

ـ أنا طارق الشاهين .

   أشرق مُحيّاها .. برقت في محجري عينيها بحار ، وفي جبينها ابتهجت شمس  .

   أضفت من كأس تخصني قطرات أخرى  :

ـ ذاك هو بيتنا  ، أشرت بيد واثقة نحو دارنا ، أبي يعمل بناء ولي أخت من أحسن الخلق ..

 أمي لعيون النساء تصنع كُحلاً ، و جدّي تارة مع الحمام يسبح وتارة بالخيزران يرقص .

   لؤلؤ لمع في شقّ الجُلَّنار .. هزّت رأسها . تبسّمتْ .

 أضفتُ :

ـ ستأتين إلى بيتنا وستتعرفين على أختي هند وسنهزّ سوية جذع التوت أو نقطف من التين ما نضج .

قالت ستأتي ولكن بعد حين .

سكنتُ :                                

نحن شبان الهجيرةِ لا تُطوِّق أسرارَنا الأفياءُ .. ولا نلوذ بها حين ينبثق  من أعتى غضباته بوجه الأُفق نورُ .

 نحن منكشفون للسماء وللرياح إذا ما اجتاحت ملاعبنا . مبحرون نحو الطفولة ومنها قادمون .

 ننطق بالحِلم إنْ أُضرِمت نيراننا ونعبر بأحلامنا بحار الجنون .

نحن أُهْجُوَّةُ الوقت أو لعنته ، نسفر عن ارتكاب آثامه متى ما حُوصرَ على الأبواب

 ومتى ما حاول سرقة براءتنا ورغباتنا الصغيرة .

ستأتين يا خولة  !

 * * *

 سحرتني الزرقة المتلاعبة في عينيها ، فأبحرتُ بلا أشرعة فيهما على متن النشوة .

 سبحتُ في سمائهما بلا أجنحة . أسَّرَني اللقاءُ الذي لم يدم هنيهة . أَسَرَّني وأغوتني المخيلة

 فانسحبتُ إلى البيت طرباً . وعلى مسمع أمي أطلقتُ صيحة فرح :

ـ اصنعي يا زينب الهادي كحلاً أزرق .

دنوت منها . قبّلتها .

ضحكت أمي . تساءلتْ في دهش :

ـ كحلاً أزرق ! ؟

ـ أجل يا والدتي .

ـ ولمَنْ يا قرة العين ؟

ـ لبحرين سماويين صافيين ، متعبين ، قادمين من أقصى المجرات .

اجلس إلى جواري .

جلستُ وكانت أمي تلتقط من بين حبّات الرُزِّ ، الحصى .

أمي تؤكد بمناسبة أو بدون مناسبة أنّ هذا الرز السومري خصّتنا به السماء دون سوانا . العنبر هذا ،

 تتساءل : هل يُزرع في أنحاء الدنيا ؟ تردُّ على نفسها :

لا .. عندنا فقط .. للعنبر رائحة الحضارة ونفحة من رائحة الهور .

ثم تضيف مؤكدة سؤالها :

ـ لِمَنْ هذا الكحل الأزرق يا لُبّة روحي ؟

ـ لعينين باهرتين ، بهيتين ، لعيون خولة .

ـ ومن خولة يا ولدي ؟

ـ هبطوا في سلّة . بشر جاءوا إلى حيِّنا . أقصد هبطوا في سلّة . من أين ؟ لا أدري .

ـ في سلّة !؟

ـ أجل يا أمي الحبيبة في سلّة . ألم تسمعي عن بشر هبطوا في سلّة ؟  ربما كانوا من سكان الريح

وألقت بهم علينا .

كنت متوهجاً ، فتياً ، ولنشوتي كنتُ قادراً على اعتصار جبل بين كفّي . وكنتُ مازحاً ، طرباً ، سعيداً .

أجابت أمي :

ـ سمعتُ لكن لم أشاهد بعيني بشراً يهبطون بسلّة أو يسكنون الريح . ومَن هؤلاء القوم يا ولدي ؟

ـ لا أدري ، لكني عرفتُ من بينهم خولة الياسين ، هبة من السماء لهذا الحيّ يا أمي . هبة تنشر الفرحة

 في الحيّ وتوزعها على المنازل .

و أمي تضحك .. من فرط فرحتها تضحك .

أمي تفرح .. لفرحتي تفرح .

في ذلك اليوم لم تأتِ خولة .

ستأتين يا خولة

* * * 

  ذات ضحىً ضاحك ، يستضيف النسيم من كلّ جهاته ، ويستجلب الطير المشتاق من أقصى المسافة .

ذات ضحىً طرب الروح ، حلو الأفياء ، جدير المعاشرة ، طُرقت بابنا ، وكانت هند تستدرج الفراشات

 إلى قطرات الطلِّ المتفرقة على أفراح الجوري في سماء الخميلة .

  إلى الباب طرتُ ، كأن يداً انتزعتني من فضاء بهيٍّ إلى فضاء أبهى .

 فتحتُ،  فأشرقت بوجهي شمسان : كانت خولة مُلتهبة الوجنتين ، ثائرة الشعر ،

 وبحار في عينيها تهدر لوعة . إلى جوارها انتصب نور رباني ، انحنيتُ له خاشعاً .

امرأة أكثر منها فتوّة وجمالاً ، أرقّ طلعة وأنضر عوداً .

   بادرتني وكفها الصغيرة على صدر نافث للحمم :

ـ أنا شمس أم خولة .

  اهتز وجودي ، تزلزل صباي ، ارتجفتُ ، أخذتني اغماءة ، صحوتُ ، تلعثمتُ إزاء سحر سماوي ،

 طوحت بي الكلمات بعيداً :

إلهي ما هذا  ؟

تساءلتُ بعد ذهول :

ـ كيف استطعتَ أنْ تخلق كلّ هذا الجمال ؟

   ناديتُ أمي ، كانت تُطرز وجهاً بآيات من حرير لوسادة أبي الذي سيأتي قبيل المغيب بساعة .

 جاءت زينب تاركة ضفيرتها الكثيفة تُعانق عجيزتها . رحبتْ بهما ..

أدخلتهما صالة في أركانها تعبق روائح الكرم . جاءت هند رشيقة كانت مثل فراشاتها .

 ألقت التحية . حاذت خولة مدة من الوقت ثم نهضتا سوية ودخلتا غرفتها .

   لم أعرف سبباً لزيارتهما لكن خولة لم تفارق بيتنا بعدئذ ،

 وإن غابت لأيّ سبب فأنّ الجنون في رأسي يصرخ وفي أرجاء الحيّ .

            تعالَي خولة نُطعِم حمامات الدار .

   كنّا فوق الفتوّة ننهض ونحو الشباب نعبر ، فتارة يلفنا الحياء وتارة نمدّ خيوط الألفة .

 تأتي خجولة تسبقها هند المترنمة ليل نهار  بأغنيات حُبِّ . ننثرُ الحَبَّ في الدار . تجتمعُ الحمامات ،

 تتزاحم ، تلتقط ضحكات خولة وعلى بريق عينيها تهدل الحمامات بينما البلبل يتسيد نخلتنا ويُغنّي .

  سكر البلبل العاشق

   سكر الطائر الكهل

قالت هند .

لم تدرك خولة ما قصدت هند . تلاطمت أمواج بحريها ، فأرسلت طائر الدهشة الصغير ليستطلع الأمر :

ـ لم أفهم !

ـ ترك شيئاً من رضابه في روح التمر فتخمر . امتصه فسكر . هذا كل ما في الأمر .

 لم أتدخل .. لكني سأتدخل سرّاً إنْ شئتِ . سأجيبُ على أسئلة مفترضة .

 هو كهل يا خولة لأنه تربّى مع أبي على هذه النخلة .

وهو سُكير يا خولة لأنّ الحياة بلا خمرة كالحة ، هذا ما يجاهر به أبي الطيب

 وما يتفاخر به جدّي المتغطرس . انظري إلى حماماته كيف تلتقط ضحكاتك المتساقطة

 مع الحَبِّ المنثور على الأرض ، وكيف تنظر إلى دهشتك الصاعدة إلى السماء .

 انظري يا زنبقة الفراديس كيف تتطهر بانبثاقك الحدائق وكيف يستحي الورد من شموخه حين ظهورك .

ـ أتحبين الموسيقى يا خولة  ؟

هند تقطع تدخلي السرّي وتسأل

ـ جداً جداً

ترد خولة

وهند تطلق عذوبة حنجرتها فيبتلّ الآس . وهند تحلم بالكمنجة مرّة وبالقيثارة مرّات .

فتؤكد أمي صادقة :

ـ ما قيمة الآلة أمام سحر صوتك يا لُبّة روحي .. هل تحلم الياسمينة بقنينة عطر ؟

   يرفُّ في سماء البيت جنح الوداع . تلتهب باب الصالة . تخرج شمس قبل أمي . خرجت امرأة من نار ورياح .. امرأة من موج وعواصف .. امرأة من جنون . مَن يدري ما فعلت زينب بضيفتنا ؟. ما أضافت على جمالها ؟ مَن يدري  ؟

ركبتني الوقاحة :

ـ ماذا فعلتِ بضيفتنا يا زينب ؟

ـ اسكت يا ولدي ليس هذا من شانك .

ـ لا ، يجب أنْ أعلم يا زينب .

ـ اخترت لها كحلاً أزرق . ألم تطالبني بكحل أزرق ؟

أحرجتني أمي .. خجلتُ .. شمس في طريقها إلى الباب . خولة تعتذر عن مصاحبتها .

 عيناها تنطقان حيرة ولوعة :

ـ سأبقى مع هند .

خرجت لوحدها شمس . خرجت بهالة من نور . تركت في بيتنا أنثى الجحيم وغادرت بأبهة الملكات .

كنتُ أتمنى أن أطرح سؤالاً أرّقني :

من أين أتيتم ؟

لكني خفت من إجابة خولة .. خفت من خولة .. من عيني خولة ..

 من شفتي خولة .. من روح خولة .. من حياء خولة .

ستقول : كنّا نقطن الريح .

نعم ، سأصدق في الحال ، فهم من أخيار دنيا أخرى .. بلد آخر .. من أرض أخرى ..

 أو من سماء أخرى . هؤلاء قوم جُبلوا من أنسام وندى .. من بتلات وهمسات .

 لا ، لن أسأل .. ربما أسئلتي ستخدش شيئاً ما في روحها ، في جسدها ، في خاطرها .

 لن أفعل . وإنْ تكلمت معها فعلي أنْ أنتقي أكثر الكلمات رقّة .

يا إلهي ! خولة هذه يقطفها النسيم إنْ مرّ بها .

هكذا أظنّ ، وتظنّ أمي وأختي وسائر الناس .

لن أتقصد السؤال ولا يهمني من أين أتوا ولا كيف وصلوا ، وما يهمني أنْ لا أخسر خولة ..

 لا أخدش سمعها بما لا تريد أو هكذا ظننتُ .

هند تُغنّي

هند تكسر ستار الصمت

هند تُفتت طوق العزلة

هند هذه بدونها لا معنى للحياة

هند هي الحياة

سأعلمك على الغناء يا خولة . تقول هند وتمزح :

ـ هل تعلمينني ؟ .. ماذا تعلمينني يا خولة  ؟ .

ـ لا شيء 

ترد خولة وتغرقان في ضحك مجنون .

    بتسعة عشر ربيعاً تزهو هند ، وعن الفرح لا تكفّ .. ربما ولدت تضحك ، أو تغني ، أو ترقص ..

 ربما ، فأنا لا أدري ولم يُخض أمامي موضوع كهذا .

 لكنها طير فردوسيّ يتنقل من شجرة البهجة هذه إلى شجرة الحبِّ تلك ، تطربنا ،

 وتسعدنا وتصرّ على أنْ  تسكن غيمة .

تقول : لكي أوزع الحبَّ بين الناس بالعدل .

يا إلهي أيّ مخيلة تملك هند ؟! . وهند عني عاماً تنقص ، وعن خولة لا تزيد أو تنقص .

 

   سنطير يا خولة ، نُحلِّق .. ستأخذنا الريح التي أتيتِ منها ، سنرتفع ونرى العالم من تحتنا صغيراً .

 سنراه بركاً وخيوط ماء .. سنراه بقعاً جرداء أو سوداء ، لا نظنها شيئاً سوى خراب .

 سنرتفع إلى أقصى طبقات المسرّة . إلى أقصى غيوم الهيام . إلى بحار الجنون . إلى الأعالي ..

 إلى الأعالي

أتعلمينني الطيران  ؟ 

الآن .. الآن .. الآن .

ما أعجب ما يقترب من بعضهما جناحان !

ما أجمل امتزاجنا ! . ما ألطف حنو الريح ! . ما أغرب غيرتي منها .

سنطير .. نطير ..

نطير يا خولة .

 * * *

 

  قبيل المغيب غادرت خولة .. تركت في النفس فراغاً كبيراً وغادرت .  قبيل المغيب بساعة يأتي أبي ،

 يحمل عدة بنائه ، صيحات الحجر وأنفاس المُتعبين . يلقي أثقالاً في ركن من أركان الحديقة ،

 ويتابع التمايل الرشيق لحركات أدمنها النظر .

سأعمل مثّالاً .

يكرر أبي هذا القول وينشد :

لكي أصنع لزينب تمثالاً

نضراً كحلم الغد 

رقيقاً كالزبد 

شفّافاً كالزمرد 

هادئاً كالمد 

سأصنع تمثالاً كالرب .

ـ ماذا يقول الأفيون ؟

يتساءل أبي ويطلق ضحكة

تستحي زينب التي أعدت طبقاً من كائنات بحرية تفوح منه روائح من أخلاط طيب .

ـ ألا تكف عن الغزل .. لقد كبرنا عليه ؟

ـ نحن الغزل وما ينتج عنه يا زينب .

وأبي يلمح على غصن الليمون شالاً أزرق . يقول مازحاً :

ـ أشم رائحة زائر غريب .

ترد هند :

ـ هذا شال خولة نسيته على غصن الليمون .

قبل أنْ يسأل ظلّ أبي ساهماً :

ـ مَن خولة يا ابنتي ؟

ـ فتاة من حيِّنا وصلوا حديثاً  .

ـ هل خرجت قبل مجيئي بزمن قصير ؟

ـ نعم ، لكن لماذا ؟

ـ لقد رأيت فتاة صدمني جمالها وسحرني حياؤها .

ـ هي ذاتها .

تدخلت أمي :

ـ زارتنا ضحىً ، مع أمها التي لا تقل عنها جمالاً وحياء  .

سكت أبي .. لم يضف شيئاً .. ظلّ تائهاً في وعورة الطريق .. هائماً على وجهه في انفتاح المسافة ،

 هكذا بدا لي ، أو هكذا كان . أسكتته الدهشة واستدرجته الحيرة .

 

   سكتَّ شاهين .. هل أعجزتك المفاجآت ودوّختك عذوبة ورد هاطل في نعومة الماء ..

 أم سرقتك البحار في طوفان العيون ؟ . اشرقْ أيها البنّاء في هذا المساء المجاهر

 وتألقْ مثل قمر أضحكه الطلُّ . اشرق حبيبي واخط نحو سماوات كنوزك ،

 بحثاً عن كهف المحّارة المقدسة . تقدّم ، فهناك ستكتشف ، في الحلم ،

 أنقى الجواهر التي ترصع بها جدران قصورك المُشيدة في المجهول ،

 على ظهور الغيم أو في باطن الموجة . اشرق في سويعات الليل البهية ولا تسقط جموح الخيال ،

 فزينب كفرس طوقتها المدينة تعدو وحيدة متأرجحة الضفيرة ، وزينب مثل نخلة أطلقتها الريح تتمايل .

اشرق من أعلى طقوس التجلّي ودعنا نطلق الأرواح في هذا الفضاء

 الذي لا يعرف إلاّ الحبّ وشحنات الجمال . اشرق فأنّ ضفافاً أشرقت من فوقها الشموس ،

 ومدناً لفتها بسحرها الأقمار . اشرق ولا تركب الصعاب في حضور تمثالك الذي صنعته قبل حين .

تشرق  !؟ .

قلت ستشرق ؟ .

أخيراً نطقتَ ، ومن خلف سحابة عبرتْ سهواً تطلُّ  .. أخيراً مثل قمر أنهكه الغياب تطلُّ .            

أخيراً وبعد كؤوسك الكرستال أشرقتَ

كم مرة لامست تلك الكؤوس أعتاب روحك  ؟

كم مرة نادمك طيف ؟

وعلى المائدة السكرى نصبتَ لزينب تمثالاً من كلمات

تمثالاً من عبث ليليّ

تمثالاً من ضوء أو من هباء

تمثالاً من لحم ودم

أخيراً تباركت طلتك

وتبارك نديم هاديء لا يخلّ بشرطه

أتتفاهمان ونديمك لا يعرف سحر العبارة  ؟

أتتنادمان ونديمك يقضي دهراً صامتاً  ؟

أخيراً .. ثملنا .. ثملنا

حينما أكملتْ هند دورة اسطوانة

وحينما صرتُ في أعالي الجنون

أخيراً .. أخيراً

تجاوزنا تقليدَ الطيور

أخيراً .. أخيراً

عشقنا يا أبي

 * * *

    عبرتنا الصحوة وتركت على وسائدنا أحلاماً مترنحة .

 عبرتنا الأيام وكنّا نتحين من سقط متاعها لحظة جنون .. انتظرناها ،

 قلنا ستأتي وبعد طول انتظار اقتنصناها وطرنا . في لحظة جنون طرنا ..

في الأعالي حلّقنا ، ارتفعنا ، علونا ، وكانت أرض الكمأة من تحتنا كالكمأة .

 تلامست أرواحنا الطائرة ، تلاقت وتلاصقت . صحت من أعلى نافذة سكنها الجنون :

أحبك خولة الياسين .

وترد من أعلى موجة رفعها الجنون :

أحبك طارق الشاهين .

نحوم ، نصفق ، تراقصنا الريح ، نزهو ونطير ،  يأخذنا عناق طويل .. طويل .

 يحملنا الصراخ إلى حافّات مُدهشة الرؤية فنرى ، من فضاء أثقله الفرح ،

 شمساً ضاحكة بهية الطلعة مخملية الملمس . نرى الانتعاش يدبّ في وجه الكمأة وتبتهج .

 نرى امتلاء في أجساد الأطياف التي تلملم أطرافها وتمضي .

 نرى الماء يترقرق في خيوط لامعة كأنه يراق من أباريق امتلأت بجذوة الكوثر .

   خذينا أيتها الغيوم المتناثرة العابرة في الغفلة ، العابثة بالزرقة ..

 خذينا إلى حيث نتبعثر في المسافات .. خذينا لكي نعود محملين بطاقات من هذيان سعيد

 وقافلة من أفيون نطلق بها إلى التيه زماننا المتعفف . خذينا.. خذينا ، فنحن لم نعد نقبل النزول .

   راقصتنا الرياح ثانية . راقصتنا الطيور المسافرة من قارة إلى قارة .

 راقصتنا الأعالي التي إليها صرنا . لا ندري في أيِّ سماء كنّا .

 مرّ من تحتنا سرب لا نعرف لأي جنس ينتمي ،

 تحاور بشأننا أعضاؤه : إنهم ينطلقون إلى السماء السابعة .

 اختفت عن أنظارنا أرض الكمأة . اختفت أنهارها وجداولها وأهوارها .

 اختفت غابات نخيلها وبساتينها . اختفت صحراؤها وشعلتها ،

 بحرها وسفنها ومراكبها ، قصورها وأسواقها . اختفت جنتها التي لا تُحد ونارها السرمدية .

 اختفت جميع معالمها ماعدا عينها ظلت تحملق في جسدينا الطائرين .

جذبتني إليها خولة :

ـ داهمني الخوف  .

ـ لا تخافي يا خولة  فنحن لا نضيع أو نفنى مادامت عينا أرض الكمأة تراقبنا .

لا تخافي يا حبيبتي فسوف نحطّ مثل طائري بجع أغواهما السفر وعشقا الترحال .

 لا تخافي أو ترتعبي فسوف نحطّ على باب سورها متألقين سعيدين .

هاهو السور ، هاهي الباب تفتح ذراعيها . ادخلي يا خولة . هل رأيتِ كيف هبطنا بلمح البصر ؟

 لقد عشنا في الحلم .

   * * *

    في سوق مزدهرة البضاعة ، مفتوحة الفضاءات أبهرتني قيثارة من خشب الأبنوس ،

 ابتعتها لهند المهووسة بالغناء . ستفرحها المفاجأة ، ستسعدها وستكون راضية .

 هكذا اعتقدت في بادئ الأمر . لكن هند لم تبتهج . وهند لم تطلق ضحكة كعادتها

 ولم تترنم كما عهدناها ولم تصفر أو تصدر إيقاعاً . وهند صارت إلى خلوتها تنسحب

 بعد كلِّ غسق مغتنمة فرصة سكون الحيّ في ليل فيه النفس تأسى ،

 وفيه تشف ، وفيه تهيم وتناجي وتشتكي وتتذمر .

   أنّى عرفتِ الأسى يا هند العزيزة ، ونحن لم نرِدْ نهر الحياة بعد ؟
من أين أيتها المغنية الحالمة ، الراقصة ، الضاحكة ، المبتهجة دوماً ، كل هذا الحزن ؟

كيف جاء الحزن ومتى ؟  أتعشقين ولا تفصحين ؟ ومتى يأسى العشاق ؟

بمَ تفكرين يا هند الجميلة  ؟ . افصحي بحق السماء يا هند الصغيرة مثل حلم العاشقين .

 افصحي ولو عن لوثة عابرة . افصحي يا عزيزتي عن حلم تبدد أو عن خمرة تكسرت أكؤسها

 ولم تُرتشف بعد .

افصحي عن عشق أسرفتِ في تدليله . افصحي و لا تدمني الخَلوة ،

 فعطرها أفيون وأنهارها محكومة المسير . افصحي يا هند العزيزة .

  * * *

   في الصباحات الفتية تختبل الأنحاء ،

وحين يتنهد صباحك الفضّي ،

اربطي أجنحتك و غادري نحوي أعشاشك الكسلى .

ففي الصباحات التي لا تُقاوم ستجدين خيولي منتظرة عند عين الماء . عندئذ صوّبي إليَّ الخجل القاتل

لتنتعش روحي وادفني طير أيامي الآبق .

صوّبي نحوي ارتجاف الشفتين لكي لا أخسر لحظة آسرة .

نحوي تجاسري يا حبيبتي كطيف ضياء يعدو وحيداً ،

ويكبو بخصلة شعر عابثة .

نحوي افزعي على خيول ضامرة

وافتني في الظلال ما تعشق الصبايا .

كوني نسيماً يا صديقتي الغائبة وبيد حنونة يمسح وجه الحياة .

كوني أنتِ يا حبيبتي  .

كوني أنتِ مَن يدغدغ حمرة البداية .. فأطلقي عليَّ الخجل اللعين لكي يمزق ثورتي ..

 لكي أترنم سعادة .. لكي أداري انتظاري وأهتف :

تعالي يا خولتي في إشراقة الماء . تعالي يا حبيبتي في إشراقة الصباح .

لكنك ترفضين وتأتزرين بمئزر التمنع وتصرين على عدم المجيء ..

ولا مجيء .

 * * *

    لم تأتِ سيدة الكواكب بأبهة الآلهة ولم تطل ذات ليلة مثل طيف ..

عاندت وانقطعت عن المجيء منذ حين ، فاستنفرت أشواقي إلى أقصاها .

هند ماضية في قنوطها المخيف فلم تصدر عنها نغمة ولا نامة وقيثارتها دخلت في صمت مهيب ..

 أطلقت أوتارها في فضاء نديّ وخلدت إلى سكون مريح . ومن عادة هند الإبكار.

 ومن عادة هند أن تغسل عيون الفجر بماء الدعاء .

   تبدلت أحوالها . أمي بحالها أدرى ولم ترغب بمصارحتنا ، لم تبح بما تعلم .

 ربما أنا الوحيد الذي لا يعلم ، فلم أسمع ملحّة من أبي في معرفة تبدل أحوال هند .

جدّي منشغل بتشذيب الخميلة والعناية بأفراخ الحمام ، وهو بطبعه قليل الكلام ،

 قليل التدخل في شؤوننا الخاصة . إذن ليس في الأمر ما يقلق على ما يبدو .

 ليس في الأمر سوى جنوني العاصف .. سوى أوهامي الهاطلة ..

 سوى ناري المشتعلة في سماء أرض الكمأة .

 أنا الوحيد الذي يعدو كحصان جامح من النجمة إلى النجمة . أنا وحدي من يحترق بنار الغياب ..

 أنا من ينزف وجداً . أنا مَنْ تحثّه لحظات عارمة اللوعة للقاء . سأجنّ .

 أنا طارق الشاهين سأجنّ إنْ لم أرَ خولة التي ابتعدت بها الأيام . فمَنْ يقدر على العيش بدون خولة  ؟..

 بدون النظر إلى عيني خولة  ؟.. إلى شفتي خولة  ؟.. إلى ضحكة خولة  ؟ .

 أمي ترقب حيرتي .. تتحسر للوعتي .

سمعتها تحدث نفسها :

جنَّ الفتى

أجل جننتُ يا أمي فلا شمس بابَنا طرقت و لا هي هزّها شوق  ،

 ولولا الحياء لطرقت بابهم المحتشمة وإنْ لم تجبني ، صوّت في الطرقات :

أيها الناس مَنْ رأى منكم خولة الياسين : فارعة الطول ، باهرة العينين .. كثيفة الشعر ،

 نضرة الخدين .. بهية الطلة ، ندية الشفتين ؟ .

أيها الناس .. ولولا الحياء لبكيت .. آه لو كنت حراً لبكيت .. لو كنت حراً ـ ومتى كان الإنسان حراً  ؟

 ـ لصيرت هيئتي طيراً في سمائها بكيت .. أو على شجرة التوت التي عانقت نافذتها أحطُّ .

 آه لو كنتُ حراً لصرت هلاماً مع المطر يهطل  ، أو سائلاً من صنبور الماء يدخل ،

 أو ذرة تلج النّفَس مع الهواء أو رائحة تعبق من ورد الحديقة أو من قنينة عطر . آه لو كنتُ حراً  .

 ليتني كنتُ حرّاً . ليتني كنتُ حراً ..

***

  ونحن على مسافة من زمن لا يبدو مسالماً ، عاد أبي ذات مساء ملتبس المعنى ،

 مذهولاً ، ولولا بقية هيبة تُميزه ، لقلنا جنَّ أبي . أفرد من حيرته

 بضع كلمات تلجلجت في صدره ثم خرجت متعثرة :

ـ سرقوا الكمأة  .

لن يمرَّ الكلام على جدّي عابراً فصحح المعنى :

ـ تقصد سطوا على أحوال أرض الكمأة يا ولدي ؟

ـ أجل يا أبي هذا ما عنيت . هي عملية أشبه ما تكون بالقرصنة وفي وضح النهار .

    كان أبي زائغ العينين ، مرتبكاً ، خائفاً ، وهو الذي عودنا على أنْ يبدو متماسكا

ً رغم كثرة العثرات ، فأبي مع هيبته الطاغية يستمدّ من سمرته الباذخة شيئاً

من نضارة لعود شباب آفل ، و بأبي تتربص الخمسون التي عليه ستنقضّ بعد أيام .

 أما نحن فكنّا بفتوتنا نزهو ، وبأفعالنا نفتتن ، فمهما انقبضت هند وعلى نفسها ارتدت ،

          فلابدّ وأن تنشر الفرحة أحياناً في أرجاء البيت . هند هي الملاك .. والملاك هو هند .

نشمخ .. نفتتن .. وبتؤدة نشقّ طريقاً إلى أهداف واضحة المعالم . نتبع نداء أيامنا القادمات .

 وإذا ما رسفنا تحت أعباء الدرس وقتاً ، أو أثقلت رؤوسَنا صيحاتُ الوجد ، فأننا نعود ،

 يؤرجحنا هَمْس أحلامنا وترشقنا عذوبة من هوىً آسر . لا نريد لأيامنا أنْ تذهب هباء

 ولا نريد لها أنْ تنسلّ من بين أصابعنا كماء الوضوء أو تتلاشى مثل دخان سجائرنا

 دون أنْ نمسك من جميلها سويعات تظلّ تلاحقنا كذكرة ندية . ولو أمطرتنا السماء

 برمل الفاقة ودوّت على هامنا قسوة الرعود ، انفجرت في صدورنا همهمات الصبر

 عيوناً نقية وتقدمت أجسادنا لتدرأ عنا ما سوف يصيب النفوس أو يمزق رتلنا .

   حين يتسيد الحيّ قاطع طريق وحين يتحكم برؤوسنا قرصان ،

 ستذهب أيامنا الهانئة وتتغير أحوال أرض الكمأة ياولدي.نطق ، بعد صمت ،

 جدّي العارف بأعقد الأمور ، المتبصر في أحوال الدنيا ،

 القادر على رؤية الأشياء بعين ثاقبة ، الرائي ، ذو الحسّ  المرهف . الحسن ابن تميم هذا ، اعتصرته الدنيا وطوّحت به يميناً وشمالاً مشرقاً ومغرباً قبل أنْ يركن لخميلته ، وقبل أن يكتفي بكأسين لنشوة الليل . هذا شيخ تطربه سيرته .. يتغنّى بزمن كان هو ، ويختال كلما سنحت فرصة لمرور تأريخ الحيّ من بوّابة الذاكرة . حاضر في التاريخ ، والتاريخ به حاضر . سيرته سيرة المحارب الذي صدّ الغزاة القادمين من أعالي البحار والهابطين من الجبال أو الطاعنين خاصرة المشرق في أسحار الشتاء  ، من أجل تدنيس أرض هي الكبرياء .

يتذكر : مَنْ دافع عن أرض الكمأة كانوا قلة من فرسان شجعان كرماء ، و مَنْ خانوا وغدروا كانوا كثرة من أقوام سفلة . على أعقابهم ارتدّ الغزاة من حيث أتوا ،عادوا خائبين . كان يافعاً حينما أجدبت الأرض ودبّ القحط والجوع .. وقتئذ كان حتى نبات البرِّ على الناس حسرة ، فأبحر مع من أبحر إلى سواحل قصية بحثاً عن لقمة زاد ولم يعد حينما حبلت الأرض بكمأتها ، لكنه على نداء امرأة عبر إليه الأمداء عاد . عاد ليسكنها فردوساً هبط في الحلم . عاد وكثر الخصب فأينع الحيّ وأينعت المرأة .

فكم من النساء في سهوة الليل أينعت أيها المحارب  ؟

وكم من أرض أكمأت من رقة الشموس ، فأجهضوها ولم تزل في غمرة النشوة  ؟

سنمسي في مَلَصَّة .

سمعتُ جدي متمتماً

  من يتحفني بنسمة برد تنعش روحي .. بهمسة تدغدغ اشتياقي أنا الفتى العاشق حتى أعالي الجنون .؟ من يهزّ سكوني يا جدّي الذي حرثتك النساء والمنافي وطوحت بكيانك صيحات امرأة ما لبثت أن صمتت للأبد بعد اللقاء الأول والعناق الأول والحمل الأول .؟

 

 


  

 

                                 ***

 

 

 

 

 

 

 

    لنا بأرض الكمأة منزل ، الضوء فيه يخطب ودَّ الظلال ، والشمس في سمائه دفئاً تضخُّ . لنا جيرة خضراء هي للحبّ عبر مرّ السنين مانحة وللحميمية بادية . فالأجداد حينما دفنوا في أرض الكمأة حجرهم الأول قبل آلاف السنين تعاهدوا على تهجين الأرض بالقادمين عبر غضبة البحار وبالنازلين من قسوة الجبال والمرجومين بحصى الصحراء . لم يفكروا بالاستحواذ على أرض الله . شبّ الحيّ وأصبح داراً لمن لا دار له وملاذاً لمن لا ملاذ له ومحطّاً لرحال المُتْعَبين . لكن الأجداد تؤرقهم رعاية نبتة في حماهم بسقت ، وتتعبهم ملاحقة جدول تفتق من عيون ربما من بين صحوة الحجر نهضت ، ويخيفهم أسر طائر علق في شباكهم . وهم على قلتهم أمسوا حماة الحيّ والذائدين عن حرمته ، فأضحى الحيّ حصناً منيعاً يهابه الطامعون به ويتنكب الطريق إليه مَنْ أضمر له شرّاً  .

  هو الحيّ .. الأرض .. الكمأة سيدة البهاء .. المختبئة وراء سحر أسطوريٍّ . هي الأرض التي من طينها عجنت الجدّات بين يديها ترفاً لأجيال توالت . هي حدقة الكون المفتوحة على كلّ الاحتمالات والمشرفة على كلّ الآفاق . هي البؤرة الجالبة لرؤى الشرِّ ورؤى الخير على  السواء . هي نفسها بكثافة زرعها وثقل ضرعها .. بوفرة مياهها وسطوة رملها .. بلمعان حصاها وشموخ جبالها .. هي نفسها .. بدفء شموسها وروعة بنائها .. بعظمة تاريخها وملائكية لغتها .. هي نفسها .. بكبرياء أنهارها وغرابة ممراتها .. هي الجنة الجنة .. هي التي غفلنا عنها لحظة من زمن رديء فجرى على أحوالها سطو . هي الكمأة الحيّ .

  آه يا جدّي الذي تكاثفت ظلمة ليلك ، هل أحزنك زمن الحيّ أم ذكرى جدتي الغزالة  ؟.. أنا أعلم يا أيها الشيخ النبيل الكريم بما يعتمل في صدرك من غضب . آه يا جدّي لو ابتعد بنا المكان فبأيّ صوت نعود ؟! وأيّ الأصوات هي التي تعبر إلينا إلى آخر الدنى كصوت الغزالة  ؟

  

                            ***

  خولة ، ونحن في الأصيل ندخل ، تأتي . مع عبور هذياني نحو ضفة المدى الأخرى .. مع انفتاح لوعتي بباب المشتهى ، تأتي .. يتنفسها  الطريق المنتظر ، المتربص بخطوها .. وإلى آخر دهشة طلّ تساقطت من عنفوان فستانها الشفيف يحتويها . الطريق الداعر يعلن تمرده على ألفة المسافة ويخطفها . الطريق المجنون الذي استنفد آخر ذرّة من صبر يبتلعها .

الطريق هذا كيف أوعز للعابرين بالرحيل  ؟

ربما استهوتهم حمرة الأصيل .

تأتي .. أتنشقُ من على مبعدة عطرها المُحيِّر . أيفترسها الطريق  ؟

و خولة تقاوم جيشاً .. تطارد طيشاً .. و خولة إليّ تشق المسافة مثل سهم ناريّ تطلقه الريح .

صبِّي يا ابنة الكرام في أنفاسي جحيمك . اسكبي على رأسي هذا الحريق الذي حصد أكتاف الطريق ولا تتدرعي بحكمة الآباء .

تدخل .. خولة تدخل والبيت يستأنف دورة الوقت في حضرة المساء : جدّي في عزلة وقورة تستشرف القادم من الأيام .. أمي تحرث الذاكرة على أصوات طحن كحلها . هند تحمي أوتارها التي ابتردت . أبي يستدرج الحمام إلى أبراجه المنصوبة في أعلى الدار .

اصهلي يا سيدة الريح فصحوة بيتنا لا يجفلها سوى الصهيل .

اصهلي واقلعي عن هذا الحياء الموروث الذي يصادر نار الأنثى فيك :

ـ اشتقتُ إليكِ .

في مدخل البيت ألثمها .. أشمُّ بلوعة ما عبق في نحرها من طيب . تسقط بين يدي . أُنهضها :

ـ اعتدلي .

هند من غرفتها ترسل التحية ثم تطلُّ مثل غصن نضر .. تبتسم .. تتقدم وبين ذراعيها تحتوي خولة . غابتا في المكان وأخذهما الوقت .

هند لا تشعر باحتراقي .. لا تترك لي فرصة الاختلاء بخولة . هند هذه لا تعرف من الحياة سوى سلمها الموسيقي و لا تملك سوى صوت يأسر العقول . هند في غيمة تسكن وعلى الأرض لا تحطُّ .. أحياناً أظنها الهواء ، فمَنْ يستمع لعزفها يأسره هبوب ريح وتلفه وحشة مطر . بنت السماء ، يكنيها أبي ويطلق تنهيدة لا تقف إلاّ على :

في الحلم كانت تجوب زرقة بأجنحة بيضاء . أدعوها للنزول وترفض ، كأنها تراقص السماء .. وهي لما تزل في عزلتها تراقص السماء .. في خلوتها تجهش لأجل حبيب سيأتي .

من أي نافذة يأتي ؟

لا تدري !

من يكون  ؟

لا تدري !

لكنها تنتظر برقاً ، نجماً ، عاصفةً ، نغماً .. ربما

    يستعيد أبي من نسمة المساء هدوءاً يُسكنه في بحيرة ندىً .. يجلس على طريق النشوة ، والنشوة منه تتقدم . هذا البنّاء يكتنف كأسه / الموجة .. يداعب كأسه الرشيقة .. يحلّق معها . أجل ، شاهين ينوي التحليق فلا تقصوا له جناحاً أو تغلقوا بوجهه السماء .. سيغنّي قبل الطيران . وشاهين ينساب مع كأسه مثل موجة خجولة ، ينوي الإبحار .. دعوه يبحر .. افتحوا أمامه البحر وسرّحوا المراسي .. ارفعوا جميع الأشرعة واطلقوا الأبواق ..هذا البنّاء ملّ من تشييد القصور ومن مداعبة الحجر .. هذا البنّاء ملّ أعمدة الرخام والسقوف الواطئة . هذا البنّاء يريد الهواء .

وأبي مثل هند أو هي مثله في الرغبات وفي الأماني . نحن بشر لا نسكن سوى الهواء .. نحن بشر من ريح . وشاهين يتألق .. في عينيه فرح ينمو وفي رأسه نشوة تسافر . آه أيها البنّاء كيف لا تقرأ ما في ثنايا البيت من صمت وما فيها من حيرة  ؟

   أخذتك الصحوة المترنحة .. السكرة السعيدة ، فلم تسأل عن سبب بهجة البيت . لم تعلم شيئاً عن هبوط الملاك بخيط الندى .. ستروى أرض الكمأة .. ستروى يا أبي .

   بَرَقَ الممر . نور أطلّ من كوكب وحشيّ . ألم أقل لك يا أبي هبط الملاك ؟ . خولة تطلق التحية وتنسحب بحيائها الملائكي وتحت خطوها يتنهد المرمر حسرة .

تثمَّل شاهين ما في الكأس ومضى نحو غرفة أبيه .

أعلنت أمي برخاوة : مازال الحزن مسيطراً على نفس الحسن بن تميم بعد ما جرى لأرض الكمأة من سطو .

بعمق ظلّ البيت يتنفس رائحتها .. ظلّ ضاحكاً ، لكنني بقيت مؤرَقاً .

 

                                 ***

على خولة أنْ تحدثني طويلاً عن دارها الأولى .. عن أرضها الأولى ، وعن سمائها التي قطنت . عليها أنْ تخبرني عن جهشتها الأولى وعن ضحكتها الأولى .. أنْ تكتب بقلم الكحل رحلتها الطويلة ، وعلى جذع شجرة مزهرة تخطّ بغصن الآس عذوبة الليلة الأخيرة .

على خولة أنْ ترسل كلاماً منقوعاً بزيت مخمل الورد .. أنْ تفصح عن أسرار جمالها ، وعن منبع عذوبتها ، وعن مورد رقتها . عليها أن تتقطر  بكفّي كماء النار أو تدخل إلى روحي عبر الهواء وإلى شراييني عبر  دمي . عليها أن تهذي هذيان اليائس وأن لا تكفّ عن الهذيان .

علينا أن نختلي .. ولكي تهبّ كلّ هذه الرياح .. ولكي يهطل كلّ هذا المطر ، علينا أن نجد خلوة  . لكن أين ؟ أين يا خولة ننزف الكلام  ؟ .

 

                                 ***

 

 

   في المقهى المشرق بباب الحيّ تدافعت أفكاري .. في المقهى قاتلتني الرغبات .. منها هربتُ ومن فضاء المقهى .. من الوجوه التي تتبدل كفناجين الشاي .. هربتُ من نفسي ولم أفطن إلى دفء يقترب منّي .. إلى دفء كالعطر ينسكب في الهواء .. لم أفطن إلى خفقة امرأة .. إلى امرأة من صهيل .. إلى رفّة رمش كالجناح أو هي الجناح :

خفقة رمش بليل أجهزت على وحدتي .. أضاءت سماء الخَلوة وطافت في رحاب المقهى

خفقة رمش ناعس توّاً كفّت عن العويل

تعلقت بها نَفْسي .. فرشتْ لها جناحاً

سكنت في كنفه حيناً وصارت هي السلوى

في المقهى

رفّة رمش رشيقة كالنرجس

أسرفتُ في مداراتها

تعشقتها مثل نبع عليل

لتصبح شجراً ومأوى

في المقهى طيفُ امرأة

حطّ كالهمس .. وطار بجَلْجَلة .

   طارت .. يا إلهي ! امرأة خطفت عقلي وطارت . مَنْ تكون هذه الساحرة النحاسية التي لم تمكث في حدقتي غير لحظات  ؟ تساءلتُ . ومن بعدها أطلقتُ عقيرتي للصياح لست عابئاً بالبشر :

مَن أنتِ يا امرأة  ؟

مَنْ أنتِ أيتها المتوحشة كي يختلَّ من أجلك توازني ؟

أنى دخلتِ في نبض المقهى  ؟

يا امرأة المقهى أعيديني .. إليَّ أعيديني .. أعيديني  .. إليَّ أعيديني .. يا امرأة سحرتني وغابت في الظلام . أيّ امرأة أنتِ ؟. عيناها ناعستان . عطرها فاتك .. وفوق شفتيها يتهور الجُلّنار . أيّ امرأة أنتِ  ؟ . على رأسي هدلت .. ولروحي أججت .. أشعلت حطامي وغادرت .

رددتْ خيبتي : ارجعي يا امرأة المقهى . ارجعي يا امرأة من ريح .. لا تتوغلي في الرمال . شقيّ طفل صدري حطّم مهده وقفص الرخام . ملتاع قلبي أسلم نبضه لنصل غاب في الزحام . أرجعي يا امرأة من رياح .

سكنتُ .. رويداً .. رويداً سكنتُ .. تساءلتُ : يا الهي مَنْ تكون  ؟ .. امرأة ، لحظة تطير .. تطير .. تطير . إلى أيِّ وجهة تطير ؟ .

 

                                 ***

  

   تكدّر مزاج الحيّ وتغيرت طباعه .. تشوهت وجوه الأصباح وترددت في شروقها شمس .. واللغات التي ترعرعت بين أحضانه منذ بدء  النشوء ، تهشمت أرقام طينها .. انثلمت حروفها وعن بعضها افترقت وتحجرت ، ثم تقطعت في الطريق أنفاسها وثقلت بها الألسن .. فالحيّ ولج في ليل داج .. والحيّ أبت أنْ تطلع أقماره ، حينما أسلم دفّة السفينة لرتل همجيّ من قراصنة ، والناس لم تعد ناساً .. الناس ذابت في التراب،          ومن بينهم لم يحتج فرد .

    هزّي أيامنا أيتها الريح ولتطلع أنتَ يا وحش الغاب ، فالدنيا لم تعد دنيا .. والبشر في حيِّنا صنفان : صنف لآيات الجحيم يرتل والآخر يفقأ عين الشاهد .

   هزّي ذيولنا أيتها الريح فما عادت ـ وقد انكشف الستر ـ ذات فائدة ، ودعي الرعب يحصد ما أينع في النفوس .. والناس صنفان : قاتل أو مقتول . والحيّ .. آه الحيّ .. ففي أيامه هذه صادروا ذرّات الرمل وجعلوا الكمأة ، ولو في سماء الحيّ بزغت ، طَبَقاً في مأدبة القرصان .

لن أبقى في دار سادها دونيها . قالها حكيم القوم ورحل إلى المجهول .

أيها الشيخ الجليل خذ معك مفتاح الذاكرة وشيئاً من دهشة التاريخ .

أيها الشيخ الحكيم خذ ذاكرة الحيّ في جسد الوسادة .

أيها الشيخ الحكيم خذ معك صمت قليلنا الذي ظلّ يعبأ في رئة الطلع نقي الهواء .

آه لو كنتَ يا سيدي مالاً لصادرك القرصان .

آه لو كنتَ مشعوذاً لقرّبك من مجلسه القرصان .

لكنك يا سيدي الحكيم ، حكيم القوم الذي به فرّط القوم في حضرة القرصان .

لكنك كنز يا سيدي لمن لا كنز له . فطوبى لبلد فتح لك ذراعين .. وطوبى لأرض عانقت خطوك .

هزّي .. عنّفي صمتنا أيتها الريح عسى أنْ تختلّ في الصحوة أوتارنا ونصدر همساً .

هزّي .. هزّي .. بلا جدوى أيتها الريح .

                                 *** 

 

   نحن من بلدة لا تريق على وجه الطريق عند العسر رحيقَ أشجانها وعند اليسر للمسرة تبذخ . نحن من بلدة يحرس الليلَ همسُ نمائها وعلى أبوابها تاريخ يهلل . نحن من بلدة أسهر الأمصارَ شدو شاديها ولها في الكلام قريحة تطرب .. تشفي عن الأهل غريباً ورودُها ، ويُسكتُ صيحةَ المدار صهيلُ خيلِها . يترقرق في سرر التكوين ماء عيونها والنهر من مخدعها حالماً يتدفق . نحن من بلدة تتحسس نبض أبنائها متى ما هجست في صمت أشجارها ريح ، ولا يجوس في أحشائها غير أقدام أبناء على هواها فُطروا ومن لوعة طينها انبجسوا . أبي حكيم قوم طافت الدنيا على ظهر الغيم عزتُهم وأخضعوا جنون الريح لرغبات أسفارهم . نحن من " تفاحة الريح " بلدة ، و لي أربعة أخوة منهم ذكور ومنهم إناث وأنا منهم الوسطى ، و لي جدّ لما يزل منذ المغيرات ساهماً ، وأعمام وعمّات  وجدّة ، و لي أمّ هي شمس ضحوك وفتنة .. و لي خلاّن وخؤولة في دهشة الليل توغلوا . أغاظتنا الدنيا حين سيّرت ظلاماً فتّت شملنا وبعثر أرواحاً في كلّ باسطة ومنعرج . ولم تكتف الدنيا بعنف ظلامها وإنما أوحت للقاطفات أنْ تقتطف من تفاحة الريح أجمل ناسها ، فراح لنا على يد المغيرات من الأحباب كثرة ، وكثرة أخرى من قوم نبلاء . فيا لفداحة الخسارة ! ويا لهول ما رأت العيون !

ـ كيف حدث ذلك يا خولة  ؟

حينما انتصف علينا النهار كعادته ، هبط معه ظلام كثيف لم تُطرق له سيرة من قبل . مكث وقتاً حتى توقف في سمائنا الهواء وكفّ الخلق عن التنفس ، آنذاك كان البعض منّا في نزهة على ضفاف دجلة وكنّا في قبو الدار نختزن نبيذاً للميلاد القادم من زهو التاريخ . انفلقت رئات القوم فماتوا اختناقاً ومازالت السماء تمطرنا ظلاماً وروائح سحرية فتغير على البيوت الضاحكة وعلى المهود التي تناغي الضوء المتسرب من غفلة الأبواب ، حتى تشتت من نجا منّا ورحل إلى حيث لا عودة تُرتجى مَن لم يستطع . تركنا تفاحة الريح حين لم تعد بلدة خصبة الذاكرة وحين طال ظلام نهارها وحين لم تعد خضلة المعنى . هجرناها ومازال بيننا الأسف مقيماً . هجرناها وفي الطريق ارتشفنا أخر قطرة من مائها . هجرناها وفي الطريق إليكم أقمنا في هذا العراء المخيف حيناً ، ولذنا بتلك الظلال أحياناً ، ولم يبق من ملامح المكان الذي انتجعنا سوى رؤى شبحية الظهور .

وضعت بين راحتيها رأساً متلاطم الموج وهدرت :

لا تصلب أيها الظلام المخيف في عزّ النهار هواء . لا تُفزع أيها الاختناق المرعب مجرى النسيم .

ـ وبعد أن فتكت بكم السماء هل ترين الحيّ موطناً ؟

ـ عليه سيهبط ظلام مثلما هبط في منتصف النهار على تفاحة الريح ظلام . هذا قدر كما أرى . ألا تحسب السطو على أحوال الحيّ نذير  شؤم . ؟

ـ ربما فجدّي مازال متشائماً ، وأحوال الحيّ في تدهور مستمر . لكننا سنرحل . أجل نرحل .. سنهجر الحيّ مثلما هجرتم تفاحة الريح .

ـ وستكون حياة من رحيل ، كأننا سرب لقالق .

حقاً إلى أين يهاجر اللقلق ؟

 

   كان عليّ أنْ أُخرج خولة من كهف حزن مظلم إلى سطح مبهج يغمره النور . كان عليّ أن أريها زهو دنيا جديدة بدل هذا الحطام الذي لم نأتِ من أجله :

ـ إلى خلوة سعيدة .. إلى حيث يُطعم من مباهج الخلوة . ونحن .. آه نحن .. متى نطعم ولو قطعة من مباهج الخلوة  ؟  متى ننسج عشّاً ؟ وقبل هجرة اللقلق متى نغرق في حوض من نبيذ أو في قارورة من عسل الشام ؟

رشقتني بطرف بليل :

ـ لا تدر دفّة الحديث .

ـ لا أحبّ الحزن في العينين . لا أحبّ الدمع العالق في الرمشين . أحبك بهية ، هادرة الضحكات . أحبك ، كما التقيتك للمرة الأولى ، مُزْنَة للفرح أو شلالاً من أحلام . لا تحزني يا صديقتي فنحن للحظة خلقنا ، فلا تفرطي بما بقي منها . اقتربي منّي يا حبيبتي قبل غياب القمر .. اقتربي ولا تتركي في قلبه حسرة ، فالقمر يحرس ليل العشاق . اقتربي ومنّي لا تخجلي فأنا أريدك عارية كموجة تغتسل بهمسة الطريق .. أريدك نافرة اللؤلؤ الأخاذ .. محروثة الدفء المطعم بالضياء .. لا تخجلي صديقتي .. أعيدي إلى نوافذي الستائر الحرير وأحلام المساءات المسافرة وغادري ، إلى مياه ليلتي ، ضفافك العابثة بالوميض .. نحوي ازحفي وترنحي على فضائي الوثير ، ثم تشردي في زرقتي الدافئة .. وعلى متن زورق رهيف  إليّ يأخذك كي تسبحي في لُجّتي العاتية أو تغرقي .. أعلني ... وعلى رؤوس القلاع الخاسرة . أجل أعلني خاتمة الحروب .. ونحوي تقدمي .. طوّقي بأنفاسك جنوني ، ثم الهبي وردتي بالرشفات أو صوّبي أنهارك نحو المدارات القصية .. انسحري بفردوس مخلّع الضحكات .. تمردي على تضاريس الوقت ونحوي تعالي زاحفة مستسلمة .. لنطفئ نعاس الغسق برياح الرعشة ، لنوقد ظلاً ، من شمعة آفلة ، يضئ جسداً ضاع في الشعاب أو في مجرى سيول العرق أو هبط من سحاب اللذة إلى واحة منسية .. أريدك غائبة ، رخوة الأنّات .. حائرة النظرات .. أريدك .. لا تخجلي .. وحش خيانتي .

ـ قادمة أنا طارق الشاهين ، لأستعجل نمو البذرة قبل أوانها . قادمة أنا . منك أقترب .. بك التصق وأُلهي الملائكة المتلاعبة في مجرى أنفاسك الحريق . لا تتمهل طارق الشاهين ولا تدع الحياة على رسلها تسير ، ففي هذا الخلاء الممتد حتى حافّات الحذر كأننا نسكن الفضاء الفسيح ، لابد لي من التطهر بماء الليل ، ولن أخشى زورق الغواية يحملني إلى ضفاف بلا ملامح وإلى زمن نمحو فيه الأثر . لا تتمهل طارق الشاهين فأنّ لحظة مُنحتَ من رغوة الزمن .. دهراً مُنحتَ ، فاركب الهواء وامسح على وجه القمر . لا تتمهل فالنسمة النقية التي تشربتْ بها رئتاك ، أمررها على صدر البحر لتملأ رئتيه ولا تُجفلْ الموجة . لا تتمهل طارق الشاهين واجلب لنا في لحظة وجد من زرقة السماء ماء لكي نعوم فيه .. امنحنا في لحظة خارج الوعي رجّة ثائرة . قادمة أنا ، ومنك اقترب أيها الطوفان الفاجر المدلهم .. قادمة كي أسبح في جذوة الدهر وبين يديك أنام

    ***

  من مبادئ الوفاء أنْ أطلّ على الحسن ابن تميم الذاوي في حجرته منذ انتحار الشموس على أبواب الحيّ .. فهو منذ زمن الغفلة لم ينم تحت رحمة سقف أو في ظلِّ صفيح .. ومنذ تكدر النفوس في صحن الحي الغارق برمال السطو ، انسحب مع موجة هادئة نحو ساحل لا يعرف غير قانون العزلة .. بعدها تأرق جدّي . كنّا بحاله نعلم وفي ذات الوقت لا نعلم ، فالحسن ابن تميم لم يقم مأتماً في ذكر الغزالة ، جدتي التي رحلت قبل الأوان وتركته وحيداً ، وإنّما لشجن ألمَّ به بعدما ترنحت أرض الكمأة تحت سياط الغدر وما أصاب عظامها من نخر وهيكلها من تدمير . هو العشق يا سيدي الكبير .. هو العشق الذي يقضّ مضجع الرجال .

ومن أصول التربية أنْ أسأله عن حاله .. عن رغبات في ميسوري تحقيقها .. عن وردات بيض عشقهن ، يتفتحن على جانبي ممر الحديقة ، كنّ مرشداته إلى باب البيت كلما حلّ ظلام .. وكنّ مشعّات يذكرنه بعرائس فاتنات يطللن من هالة قمر في ليلة صيف نديّ أو من ساحل بعيد يلفّه نور صباحيّ واهن . أنْ أسأله عن قصور منيفات شيدت يداه عبر لهاث زمني ولم يسكن منها قصراً ولو في رحلة خرافية من خلال حلم يقظة .. لم يسكن غير بيت متواضع وخميلة . أسأله عن أسفار كثيرة ظلّ يلهج بها على امتداد طفولتنا .. عن نساء عرفهن عبر مشوار طويل ولم يبق من روائحهن في أنفه سوى رائحة الرماد ولم يبق في فمه من طعمهن غير طعم الغياب . كان عليّ أنْ أفتح أمام عينيه كتاباً ليقرأ ما فيه حتى منتصف العقد السابع .

اقرأْ يا جدّي .. البسْ نظارتيك الطبيتين واقرأْ .. اقرأ تاريخاً طويلاً لهذا الحيّ .. للأصول .. قل لي من أيّ جذر نحن ؟ من أيّ نبت ؟ ومن أيّ المفترقات جاء أهل الحي ؟ اخبرني يا جدّي عن خميرة الجحود ..عن ماء الوفاء .. عن عود العفة .. وعن قطرة الحياء ، فهذه الأقوام لا وفاء لها ولا حياء ، هذه الأقوام نسفت تاريخاً وبددت ميراثاً وتظاهرت بنطفة الولاء . هذه الأقوام لا تعبأ بذاكرة ولا تحرص على حاضر فباعت مقابل لعقة في طبق القرصان حضارة الحيّ . هذه الأقوام في أرض الكمأة لم تتأصل وإنْ سكنتها مئات السنين . حدثني يا جدّي عن أقوام خانت وأقوام فسدت وأقوام ترنح بين فخذيها شرف الحيّ . ألم تخبرني ذات مرة عن الذين خانوا وكانوا كثرة وعن الذين دافعوا وكانوا قلة من شجعان كرماء. أنتَ قلت يا جدّي الحبيب إنّ مَنْ ردّ الغزاة كانوا قلة من شرفاء . هو مذهب يا جدّي فالكرماء قليل في كل زمان وفي كل مكان .

اقرأ يا جدّي .

والحسن ابن تميم لم يسمع .. لم ينطق .. لم يتحرك .. ولم أكن أعلم أني أكلم تأريخاً توقف . مات جدي . ربما قبل دخولي إليه مات ، أو ربما كان يسمعني . لكن جدي مات كمداً .

أقسم بهذا الحيّ الذي من أجله مات جدي . مات كمداً .

صرخت هند :

مات جدّي .

   من أنحاء مختلفة صرخ البيت ، وبصرخته فزع الحيّ :

مات البنّاء العظيم الحسن ابن تميم . مات معلم الأجيال شامخاً ، أبيّاً ، عفيفاً ، شجاعاً ، كريماً ، حكيماً ، وفياً ، صادقاً .

علّمنا أنّ المجد لا يغادر هذه المعاني . رحل مهندس البناء ولم يكن مسكوناً بالفناء . كان هادر الموج ، مأهولاً بالريح التي غلّفها صمته . أقسم للمرة الثانية انه مات كمداً .

  ارتأى بعض وجهاء الحيّ أنْ يُنصب لمجلس العزاء سرادق ضخم وأنْ يستمر المجلس لأربعين يوماً . عارض أبي الرأي محتجّاً :

ـ لن تُغتصب روح أبي بحضور مَن اغتصب أرض الكمأة ومَن والاه .

   هذه واحدة من المعاني التي أخذها أبي عن جدّي . وإلى جانب أبي وقف محتجّاً ياسين الأزدي أبو خولة لقناعته بصواب طريقة أبي في الاحتجاج .

   حداداً ارتدت هند .. مَن يعرف هند سيعلم ، أنها ستحزن الدهر كلّه .. أمي بأسودها اتشحت .. بمعنى آخر إنْ حزنت زينب حزن البيت .. حزن الحيّ .. حزن الكون ، فزينب هي الكون .

   أبي لم يعد يتذكر كأس المساء .. ظلّ يستحضر في ذاكرته جمال القصور الأخّاذ الذي رسمته مخيلة جدّي ونحتته يداه . ظلّ يتذكر التمارين الأولى التي أخذها عن أبيه في هندسة البناء وهندسة الأخلاق وهندسة الرأي وفي كلّ ما ينضوي تحتها .

   لم نعد نحلم بحيّ مثلما كان ، فالناس صنفان : صنف أطلق إلى الخلاء تلك المعاني التي تركها الأجداد ومن ثقلها تخفف أو تحرر ، وصنف احتفظ بها في صناديق مغلقة ودفنها في أقبية المنازل .. ربما إليها يوماً عاد أو ربما عليها تمرد حين لم تعد ذات نفع .

  ***

ـ ألم تأتِ  ؟

سألتني سحابة عابرة بعد أنْ كفّ الغبش وتبدد زمن اللوعة وصرنا إلى رابعة النهار أقرب .

ـ مازلت في جحيمي أتوضأ .. مازلت منتظراً . أتهطلين ؟

ـ أنا أمرّ متخففة من ثقلي ، فسألتك عنها . ألم تأتِ ؟

ـ ربما أرادت المزاح فأرسلت إلى الجهة الأخرى طيرها . ستأتي .. هي تعرف اشراقتي وتستدلّ بعبقي . وإنْ حوّلت مقامها فتلك مشيئة .

تركتني السحابة وغادرت .

   أدركتُ زمني .. الآن .. الآن . أكنتُ في سبخة أم في منتجع ورد ؟ أدركتُ ضياعي ، حين لم يجد الزلتسيون ما يستحموا به سوى المرايا . عجبي .. هل كانوا بالمرايا يغتسلون أم بأنفسهم يستنجدون .. أو بأجسادهم يتباهون ؟

   عانق يا طير الشمس نهمي .. عانق يا شجر السرو شبقي ، فأنا مبلول أمام جفاف الناس ، وأنا محروث من جذر الطعنة حتى هام الوسواس . ارمِ يا صيد الدهشة نبل الرامي ، فأنا مرميّ مثل التالف من ورق الشاي. وأنا مشنوق من شرياني التاجي أمام الظاهر والكامن .. أمام الطاهر والعاهر .. أمام الخالق والمخلوق . انفض دمك يا طير الصدمة المذبوح  فهذا الكون سفّاح عذارى .

 

مَن يصدق حين النجم يتيه .. وحين النهر يغور .. وحين المرآة تتهوّر بوجه العاشق فترمي عليه عورتها صوتاً مدوياً .. وحين يقهقه القاتل للمقتول .. وحين تكفّ عن الحبّ صبية . مَن يصدق يا سحابة عابرة لو عاد الزلتسيون بعد حروب طاحنة *** بلا خمرة لليلة عيد أو شهوة لقائمة على وجه الليل .

   سأبقى منتظراً هنا حتى قيام الساعة ، فهذا النهار خجول .. والناس بِوَلَهٍ تمرّ وهي بهمي لا تدري .. سأقيم هنا متشققاً من داخلي .. كلّي ، وخارجي سأتركه يترقع ، يترهل لكي يقيم مع داخلي علاقة متوازنة . سأقيم هنا وأمارس تحنيطاً بجذوة قتل . أقمتُ وكان الزلتسيون يطرفون .. نحوي يطرفون .. بعيداً بعيداً يطرفون .. نحوي وأنا بينهم بعيداً يطرفون. منهم لا أحد يكرهني .. ولا أحد يقصيني ، ولا أحد يعمل على ازاحتي عن طريقه .. لا أحد . فأنا لا أعرف تاريخهم ، ولا أعرف ماضيهم . فالسنّة تقول : يكرهك مَن تعرف عنه ماض أسود .

والسنّة تصيح : يخشاك ويظلّ منك مؤرقاً من تعرف ضعفاً في ماضيه .

والسنّة تهتف : يقصيك مَن اطلعتَ على شيء أسود في ماضيه .

والسنّة تنذر : يزيحك .. ينال منك مَن أشرت إلى بقعة سوداء ، تعرفها وحدك ، في ماضيه .

   ستأتي .. كمظلة ستهبط من السماء . سأجلس في المفترقات .. في محطّات القطارات .. أراقب المدى .. ستأتي .. وسأنتظر .. سأنمو .. أتجذر .. أتشجر .. أجل هنا أتشجر وأتفرع .. وأمسي غابة لو اقتضى الأمر صبراً . قالت لن تتأخر وكما عودتني قبل انطفاء الغبش تأتي أو كلما هبّت أنفاس اللوعة .

   على جانب من المحطة وجدتُ غديراً صغيراً من بقايا مزنة ربما مرت دون دليل .. والقطارات كعادتها لا تحفل بالأشياء على جانبي ممراتها . هتفتُ : هنا سأبذر نفسي على حافّة هذا الغدير المُهمَل .. وبذرتها في الحال . لم تمض سوى لحظات حتى انتعش الغدير وصار بركة عظيمة ، ثم انتفض وثار وفاض وغدا بحيرة زرقاء ثلمت أجزاء مهمة من أرض المدينة ، فانتعشت نفسي / البذرة وكبرت وصارت نبتة ، ثم تعاظمت وتغلّظ ساقها وتفرعت وفاءت . ذهلت المدينة .. ذهل أهل المدينة ، وحظي المشهد بإعجاب الزلتسيين ، وتسارعت النسوة إلى خلع ستر الأجساد ، ثم صرن يغرقن بعيداً في دهشة الماء .. ثم يمرقن من تحتي كالحيّات .. يلبطن مثل الحوريات .. ويلمعن على صفحة الماء كذوائب موجات نحاسية تتلاشى برفق . لكن من ثرثرة النسوة ، تعب الماء .. ومن ثقل الأجساد ، تعب الماء .. ومن بريق الزغب تحت الشمس تعب الماء .. من عيون المدينة التي اغتاظت ومن لوم المحطات ، انحسر الماء وعاد الغدير بعد ساعات ، صغيراً ، حقيراً كما كان عليه .. ونفسي التي انبذرت ، ضمرت وعادت إلى سويتها بعد أنْ هبط المساء ، على صدر المدينة ، صامتاً .. كثيفاً .. كفيفاً .

ـ لن تأتي .

سمعتُ من ورائي صوتاً أثناء عودتي إلى البيت . التفتّ . لا أحد . مضيتُ ..

عاد الصوت ثانية :

ـ لن تأتي .

قلت :

ـ بل هي تأتي .. خولة تأتي .

عاد الصوت :

ـ لن تأتي .

صحتُ :

ـ تأتي .

ـ لن تأتي .

ـ تأتي .

ـ لن تأتي ..

ـ تأتي

ـ لن تأتي ..

ـ تأتي .

ـ لن تأتي  .. لن تأتي .. لن ت ا ت ي

رويدأ رويداً تلاشى الصوت

وأنا أصرخ :

ـ تأتي ...

... تأتي .. تأتي .. تأتي .. ت ا ت ي

رويداً رويدأ تلاشى صوتي 

 ***

   من خلل العتمة رأيتُ .. في باب البيت شبحاً رأيتُ .. كالمفزوع أديتُ التحية . جواب ناعم جاءني .. صوت امرأة جاءني .. ارتجفتُ.. هلعتُ .. لم أتبين وجهاً ولا قامة لكنني باللغة صدمتُ . إلهي هل أتقن الألمان عربيتنا ولم نتقن درساً في لغتهم ؟

فتحتُ النور.. فوجئتُ :

ـ هذا الوجه رأيتُ .. أين !؟

وهي تردّ :

ـ قل لي أين ؟

وأنا في ذهول أردد :

ـ أين ؟

وهي تصرّ :

ـ قل لي أين ؟

ـ أين ؟

ـ قل لي أين ؟

وقبل أنْ استنفد مخزون الذاكرة قفز إلى عيني مشهد :

ـ أنتِ ؟

ـ أنتَ ؟

ـ أنتِ ؟

 ***

كلّ مساء تأتي

كلّ مساء تأتي شمس تجلس مع أمي ساعة وتمضي .

كلّ مساء تأتي

كلّ مساء تأتي خولة تجلس مع هند ساعة وتمضي

كلّ مساء يأتي

كلّ مساء يأتي ياسين الأزدي يجلس مع أبي ساعة ويمضي

كلّ مساء تُغلق أبواب الحيّ على أهل الحيّ وأهل الحيّ في صمت مطبق وأنا مغلق كدائرة ولا منفذ .. وأنا أتحرش بالعزلة وأبحث عن ملجأ .. وأنا أحياناً ألجأ ، إلى كسر طوق العزلة وأبحث عن أخوي خولة ، سليمان ومسعد .. وأنا مرّات نحو البرّية أعدو ونحو البحر أطير ، لكن الأرض مكمئة والمد خطير .. وبنا الأرض تدور .. وبنا الزمن يدور ، والعلة تأكل كبد الكمأة. 

   ***

    ذات شروق ونحن في أرض الكمأة نلملم جراحاً من حروب الزمان ، قطرتنا على أرصفة اللعنة ريح . كنّا للصلاة نهبّ حين بسقت من وراء الأفق طلائعها ، فَلُعِنّا وتركنا من حينها الصلاة .. وتركنا طلعة الشروق . فاقرني بتفاحة الريح نفسك يا أرض الكمأة ، واخلعي علينا أثواباً مكدرة بخيوط الغرابة ، ودعينا نرفل بجديدنا المجنون كلما تآخت الريح وطلعة الشروق . دعينا نمزج الحيين .. دعيني أتعبد لوحدي خارج الحيين ، مشرداً أمام البريّة ، مشرداً أمام البحر وأناجي :

أيها البحر أهيم بماء يكتنز لون العينين .

أيتها العيون التي استعذبت ما عشقت ، بك أنا متيم ومتعاقد مع صبابتي أنْ لا أخرج عن رغبة قلبي برهة . لكنني لن أهجر هذا الحيّ مهما أوحيت ومهما أطنبت في التلويح .

أيها الحيّ تأنق حتى تخرجني من دمث الأخلاق . أتدري حين يتغزل صبيّ بصبية تهبط على كتفيه ملائكة ويظلّ الوحيّ يغذيّ .

أيها الحيّ وأنا أجاهر بمخزوني الغزلي لن أترك طيراً فوق سطح الدار إلاّ وحملته رسائل وقبلات . فهل أوزع عدلاً ما بين امرأة وبين الحيّ . إذن كيف أوزع قلباً ؟

كيف أجدد عهداً وأنا مشطور كلسان الأفعى ؟

ـ خذها يا ولدي .

قالت أمي ما بعد ذلك الشروق .

ـ مَن ؟

ـ خولة يا بني .

ـ سأفعل لكن بعد حين .

ـ متى يا ولدي ؟

ـ حين يجفّ تراب قبر جدّي .

ـ إنه يبارك زواجك يا بني .

ـ أعلم .. لكن ..

ـ اطلب يدها إذن .

ـ سأفعل .. سأفعل يا أمي .

***

   هند تتفجر .. حسناً تتفتق .. صوتاً تتدفق . تلبس جسد الأنثى وتعشق . هند تترشق .. غصن تتورد . هند من وحدتها إلينا خرجت وبالقيثارة تترفق .. هند تترقق . هند ينبوع رقراق ثرّ .. صوت آسر .. تجتذب الدنيا حين تغني .. إنما هند عن جدّي أخذت الكبر . وهند سمعت ما بيني وبين أمي حواراً دار ، فتدخلت هند :

ـ خولة تتصبر .

ـ هل أوحت .. لمّحت ؟

ـ صرّحت .

قالت أمي :

ـ خذها يا ولدي .

ـ سأفعل .

  في المساء عزفت هند فهبّ علينا نسيم عليل ، تمايلت أثناءه ذوائب الشجر.  في المساء سمعتُ همساً متطايراً من خلوة في إحدى الحجرات ، وإلى سمعي تناهى صوت أبي :

ـ معه سنفعل .

 

                                 ***

 

    لأرض الكمأة وجوه عدة ومداخل عدة لكنها متشابهة جميعها . فمَن يدخل على وجه أو من مدخل ، تصدمه الوصايا المنسوخة على الجدران. هذه الوصايا/ القيود ، لم تكن قبل الاستيلاء على الحيّ ، وإنما كان الأهالي بآراء عقلائهم يهتدون ، والعقلاء في العادة برأي الناس يستأنسون وبالأصوب يأخذون . فلا غيمة تمطر خارج قوانين المنطق ولا لبس الغراب صوت البوم .

هؤلاء العقلاء آثر بعضهم العزلة ، والبعض الآخر غادر الدار الفانية إلى الدار الباقية ، والبعض لم يعرف له أثر .. فالحيّ بيضة فسدت خلال وقت قصير ، فبرزت فيه مظاهر مُستنكرة وتمكنت منه عادات دخيلة ورُكنت قوانين الحيّ المتوارثة والتي تطورت بتطور الأجيال ، ثم عُطلت وحلّت محلها الوصايا .

 

   في تلك الأثناء ، يذهب مسعد كلّ صباح مع بعض من صحبه حتى أطراف الحيّ لدراسة الوأد الجنيني للكمأة .. وبينما هم في شغف العمل رأوا ذات صباح حركة أشباح عبر لوح الزجاج المطلّ على البريّة . حاولوا إمعان النظر في الحركة ، لكنها سرعان ما تلاشت واختفت الأشباح .

يا مسعد الكمأة لا تحيض فاحذر

يا مسعد افتح أبواب الذاكرة على مصراعيها وسجِّل :

ـ ماذا رأيتم  ؟

يسأل صحبه

ـ أشباحاً رأينا .

ـ ما معنى هذه الأشباح .

ـ لا ندري .

سجّل في دفتر مذكراته أشباحاً ، وظلّ يرتاد المكان .

                                

                                 ***

 

   زاهية أنتِ بهذا الفستان الأبيض الطويل .. زاهية أنتِ بإكليل عرسك.. وأنتِ ساحرة الجمال ، ولك السقف الأعلى منه فلا تقمعي مَن هي دونك في المجد . أنتِ لا امرأة تدانيك رقة أو نباهة أو حياء ، فاطلقي محيّاك للفرح ، وتصرّفي بكلّ ما ملكتِ من ثقة . أنتِ إليَّ وهبك الربّ .. كأنما من أجلي خُلقتِ .. ومن أجلي هاجرتِ .. ومن أجلي صُممتِ .. أنتِ زاهية ولك في الزهو قصب السبق .. ولك أنْ تتصوري كيف خلقتك تفاحة الريح وأهدتك إليّ مع كأس الصباح.. وأنتِ إلى جواري ملتهبة ، لا تخجلي وتحرّشي وقبّلي ، وحين تحاصرك المراكب بالصلاة تعللي ، وبعد الوصول من خلف وردتي الفاجرة اشرقي . خذي حبيبتي بِيْض صبواتي وطوِّفيها ليلتي ، فإنْ عتّمت واحدة تكبّري وأعلني :

هاهنا ريحانتي الجميلة .. هاهنا عطري الوفيّ .

أنتِ في صقيع الزمن جذوتي ، وأنتِ ثمرة الوجود ، وأنتِ دليلي في وعورة الطريق ، وأنتِ خيمة العمر . فلا تُسرِّحي السفائن المتيمة .. لا تكتفي ، وعلى أكتافنا عشّ صغير .

أ أنتِ إليّ زففتِ  ؟

أحقاً في عينيك رقصت دمعة فرح ؟

وأنتِ للبيت تألفين . تعرفينه حجرة حجرة .. وتعرفين

روائحه نشقة نشقة .. وتعرفين

أطوار الحمام طوراً طوراً  وتعرفين

أنواع الطيور نوعاً نوعاً .. وأنتِ تعرفين

كم وردة في راحة الحديقة .. وأنتِ تعرفين

كم ورقة خضراء ترتجف على أفنان الآس .. وتعرفين

نبض مياهنا في أنبوب السقي .. وأنتِ تعرفين

في بيتنا كيف ينساب الهواء ، وأيّ الكؤوس نقتني ، وأيّ الشراب نرتشف وأنتِ تعرفين كيف ننام وكيف نصحو .. وأنتِ تعرفين

كيف نأكل وكيف نشرب وكيف نأسى وكيف نفرح .. وأنتِ تعرفين

كيف لا يا حبيبتي ، وأنتِ قطعة في القلب .

ـ لماذا أطلقوا على بلدتكم تفاحة الريح ، هل للنساء خدود تشبه التفاح ؟

تضحك .. خولة تضحك :

ـ لا وإنما بسبب كثرة بساتين التفاح ولأن حدودها بلا حواجز ومفتوحة أمام الرياح ، ولأنها أرض مرتفعة فتبدو وكأنها معلقة بالريح .

تجيب وتضحك .. وخولة تجيب وتضحك .. خولة تبتهج .

 

   اضحكي ما شئتِ ، ابتهجي ، اشهقي حتى أقاصي الشهيق ، قهقهي ما بدا لك ، فالليلة لا أنصف زمني .. لا أترك ريقاً في فم .. لا أترك دمعاً في عين .. لا أترك ورداً يتبختر .. لا أترك حسرة تنطلق إلاّ وأُنزلها حارقة على جسدي أو على جسدك . الليلة سنجفّ .. سنمسح قطرات الطلّ .. سنعصر كلّ التفاح في بساتين تفاحة الريح .

اضحكي ، اشهقي ، قهقهي ، ابتهجي ، ابكي من باب الحيّ حتى تخوم العويل ، لن أطلق أسر هذه الشمس وإنْ تمردت وزفرت على هامتي كلّ طاقتها . ارتجفي .. ارتعبي ، فأنا أغلقت نوافذ هذا الليل وسرّحت الهواء.

لن أترك همسة تأتي نحوي .. لن أترك نسمة تعبر فوقي ، فلقد نصبتُ في كلّ الأرجاء شباكي ، لتصطاد الهمسة والنسمة . لا تحتالي فالحيلة عليّ لا تمرق وعلى يدي خيول تُروض . جنّي .. عربدي ما يحلو لك فلن أتنازل عن حقي .

وخولة تضحك .. تترنح .. تسكر .. خولة سكرى .

مَن أسكرك يا خولة ؟

لم تجب .. تضحك .. لا بأس . لم تفرط ميثاقاً .. لم تخن عهداً . تعالي سوية نسكر .. ونحن من الضحك ننفرط . تعالي حبيبتي على غيمة سأنثرك ونسافر وإنْ مسّك برد بالغيم نتدفأ . تعالي خولة نزهر ، فوق الغيم ننمو جذعاً واحداً ونزهر . كفّي عن الضحك .. أجل عن الضحك كفّي وصارحيني .. أين يطيب لك المقام ؟ كيف أحملك لو اتسع المدى ؟ وبأي واسطة تسافرين ؟

ـ على ذراعيك .

خولة أعلنت .. إلهي أخيراً نطقت .. عن الضحك كفّت ونطقت . أوعزتُ للصبح أنْ لا يأتي واحتجزتُ في غرفتي الليل .. ولم أُبقِ إلاّ على شمعة حمراء تركتها تنزف في زاوية بعيدة .. قلتُ لها مارسي طقوسك كما ينبغي .. تذوّبي .. تسيّلي .. انطفئي . دنوتُ من خولة قبّلتها .. عبقت في أنفي رائحة ورد .. ظلّ الورد ينزف .. الورد الذي ملأت رائحته أنفي ظلّ يسيل .. تحت أقدامنا يسيل . من أين يا خولة هذا الطوفان  ؟ لم تجب .. خولة في زمن مُطفَأ . الورد يسيل ، فوق أقدامنا يصعد .. إلى أجسادنا يصعد .. الورد السائل يا خولة يغمرنا .. يُغرِق جسدينا .. يُغرقنا خولة تصمت وأنا سأكفّ عن السؤال .. ونحن نغرق .. الورد يسيل ، والشمعة في الزاوية البعيدة تسيل والليل في الحجز يسيل ونحن في الكون المسيل نغرق ..

الليل يغرق والشمع يغرق ونحن بماء الورد نغرق ،

ثم رويداً رويداً جفّ الليل وجفّ الشمع وجفّ الورد

ونحن يا خولتي نغرق .

هل كان موج الورد عاتياً ؟

ضحكت خولة .

 

                                 ***

 

هم علمتهم البلاد إرشاد التائه وإيواء الغريب .. هم علمتهم البلاد أنْ يؤسسوا على المفترقات أوطاناً صغيرة يطرقها العابرون . هم هكذا عيون زرقاء ، كرم وحياء . من بينهم لا يأكل جائع حتى يشبع ضيف ولا يشرب عطشان منهم حتى يرتوي عابر . هم أهل جود ورفعة .. أهل عِلِّيّين .. وهم العقل وزينته وهم حكماء قوم . هم مَن سكنوا الريح وسكنتهم الريح حتى الجنون الأخير .. حتى الشهيق الأخير . وفي لحظة عناق طويلة أنست الريحَ لذّةُ العناق ، زفرتهم وتطايروا في غفلة الريح . هل تغفل الريح ؟ هم مَن علينا هبطوا في سلةِ الخصب وعلمتهم البلاد كيف تُخبز طينة البداية ، وهم البداية ، وهم النهاية ، فمنهم شمس نور لا يخبو ، طائر الروض الأليف الذي تكتنف صبواته كلّ ذؤابة ، فرس اللهيب المغيرة على وجه البسيطة .. شمس التي لا تنطق إلاّ لفائدة ولا تطرف إلاّ لتحنو ، وبها تشبب الملائكة إنْ رأتها ، ولشمس طلة ساحرة ،  موكب امبراطوريّ باهر .. لطلتها ضجيج المباهج .. وحضور لها يملأ المكان ، فحينما تمشي شمس يمشي معها كون برغباته وأحلامه ونشوته ، بفتوره وعنفوانه ، ولها وجه أمعن الخالق في صنعه فصيّره إعجازاً ، وعينان لشمس ضاحكتان تستدرجان أقماراً في أقصى المجرات ، وشعر لها مسافر في دهشة الهواء ، وشمس تلعب بالريح حين تلوذ الريح بها ، وصدر عاجيّ لها يُخدِّر النسيم وفوقه تترنح عيون البلاد ، كأنها لم تلد .. كأنها لم تُرضع . شمس هذه امرأة وحشية الجمال .. أصيلة الكمال .. غير متصنعة .. متطرِّفة في سموّ الأخلاق . فكيف تكون من البشر وكيف استطاع ياسين الأزدي القبض على الجمرة القاتلة  ؟ مَن اصطاد هذا الكون النضر ، النقيّ بلا حدود ، فاز بالدنيا كلها لكن لياسين عقلاً راجحاً ، وله طبع حكيم ، ومن طباعها هي أنْ ترفل بثوب العقل وتستظل بظلاله . هم هكذا طينة طاهرة طيبة ، سقتها السماء بماء الطيب فتعطرت إلى أبد الآبدين . هم علمتهم البلاد أنْ تقتفي الأبناء أثر الآباء في المجد والخصال الكريمة . فحين تخلو لشبابهم يمتعك فضل الحديث ونبل المأتى ونقاوة الطوية ، وإنْ خلوتَ إلى بناتهم ، أطربك الحسن وطأطأ رأسَك الحياء وفتنتك الكلمات الخارجات عبر أقحوان الحديث . هم هكذا علمتهم البلاد أصيل حضارة ، فالجدّ شامخ في كبر .. سديد الرأي يبتغي الصواب وهو خير مَن يطرق على باب المنطق عبر فصيح الكلام . إما العمّات وكنّ بعمر خولة فهنّ كواكب تسبح في سماء بهية مجلية الزرقة . هم هكذا علمتهم البلاد وزفرتهم الريح في غفلتها بعد أنْ غيبتها لذّة العناق الطويل .                         

 

    ***     

   بعد أيام من ترقيص ليلة الحنّاء ، وكّنا نتلمظ ما علق من عذوبة الليل ، ونستقبل الضحى المبهور خلف حشمة النوافذ ، تلجلج صوت شمس عبر سمّاعة الهاتف ، خائفاً ، ثم انبجس حزيناً ، مُحَشرَجاً :

ـ منذ أمس لم يعد مسعد ، تعقبنا الأثر ولا أثر ، وطرقنا على أبواب صحبه فأنكروا وجهته .

شهقت شمس وبعبرتها اختنقت . انتزعَنا الخبرُ انتزاعاً ، فانطلقنا كلّنا إلى بيت ياسين الأزدي .. وجدناهم أسرى الحيرة . فمسعد منذ الأمس لم يعد  ومسعد ترك فوق طاولته دفتر مذكراته الذي تضمّن من ضمن ما تضمّن بضعة أسطر عن أشباح الكمأة :

" في الصباح تزورنا أشباح ، تأتي من وراء حدود أرض الكمأة . تقرأ الوصايا المنسوخة على الجدران بلغة غير مفهومة ثم تباشر عملها ، فترشّ مادة لم نتبين كنهها إلاّ بعد فوات الأوان . إنها الصدمة الجينية القاتلة للكمأة "

انتهت صفحة مذكرات مسعد المتعلقة بزيارة الأشباح بعد تلاوتها من قبل سليمان .

ـ إذن أُختطف مسعد .

هتفتُ بلا وعيّ مني ثم تراجعتُ :

ـ أين ذهب إذن ؟

ـ لا ندري .

أجاب سليمان وأضاف :

ـ ربما أُعتقل ، أو قُتل ، أو نقلته إلى أرض أخرى كائنات غريبة . مَن يدري ؟ فهو إلى رئة البريِّة أقرب حينما رأى الأشباح .

ـ قُل ضاع مسعد ؟

صمت سليمان وكان حزن يسكن جميع الوجوه .. و كان حزن أشدّ يربض في عيني هند . لماذا ؟

هل بمسعد تعلّقت هند ؟

هتف أبي :

ـ سنقلبُ أرض الكمأة حجراً حجراً ورملة رملة .

وفي الحال هجَّ كلّ منّا في سبيل ، يطرق أبواب الله ويستحضر صداقات ومعارف قديمة ربما فتحت له ثغرة في جدار أو أرشدته إلى طرف خيط قد يوصل إلى بصيص أمل . دخلنا من أبواب القانون المواربة وفتحنا ما كان مغلقاً .. حرثنا الأرض دون جدوى ، فمسعد استعصى علينا .. ومسعد لم يعد .

آه يا مسعد .. هل غرتَ في أعماق الريح أم بأنفاسها طوّقتك الريح  ؟

هل توغلتَ في عتمة نهار رصاصيّ  ؟ فهذا اليوم موغل في سورات فضية تلمع خلف زجاج الريح .. في أرض لا سقف لها ولا قاع ولا خبايا وراء رفيف الروح .

موغل في زئير الريح ، يوم غيابك هذا . موغلة في السقوط من سلسلة الزمن ساعة لم نرك فيها . أيها الشفّاف ، البهيّ ، العذب ، لا تدع نجمك يتألق بعيداً ولا ترم الأقمار الدائرة في محجري عينيك .

ومسعد من بستان الزمن يقتطف حصّة لا تكفي للوعة عاشق : عشرون زهرة من زهور التين وحزمة من أوراق خضراء نثرها على سلالم الأيام التي انتصبت للغياب المتخبط في أروقة أرض الكمأة .. وانتصبت لأبواب قدر لا ينفتح أو ينغلق .

آه يا مسعد .. شجّرتك الأيام في أطيافها حين لم تعد طفلاً يحبو ولا شيخاً يكبو .. وأنتَ تطير وتنصت لهدير أزرق يتصاعد من أعماق اللجّة ، أسّره سرب من بغاث .

فلتطلق أيها الفتى أسرك وتلعن مَن أسّر النسيم .. لتستنشق هواء وطن تظلّ به تحلم . هل تملأ رئتيك بعطر الدهشة حتى ضحكة اللقاء القادم .. أم ماذا ؟

أتنتظر وطناً مثل جنين يخبط على جدران الرحم لكي يرى الدنيا ؟

إذن لا تدر ظهراً أيها الفتى الذي لم يبدأ في اللعب .. ولم يبدأ في الجريّ .. ولم يعرف كيف يحبّ وكيف يكره وكيف يشتهي .

لا تخرج من شفيف زرقة البداية إلى عتمة الخاتمة .

أتدري أيها الفتى لماذا تعطل حلمك ؟

لأنك تحاذي قادمة الباشق .

ولأن الريح حين تهبّ لم توقف موكب عرسك .

ولأن البحر نحوك يطلق زرقته السعيدة .

ولأنك أيها الفتى الخجول لا تملك سوى أعوامك العشرين .

فلا ترتبك في الطريق .. لكي لا تجهز علينا المفاجأة ويغمرنا الذهول .

  ***

   هذه أرض لا تصدح في أرجائها ضحكة عذراء ولا تمرح فيها دمعة فرح .. هذه أرض لا تسبح في حدقتي طائر يجوب السماء ولا توسوس لغيث محمول على ظهر غيمة من لهفتها جنحت . الكمأة أرض بلا صدر دافئ يغوي الأبناء وبلا أكفّ تلوّح للأحباب القادمين على ألواح الجنون . هذه أرض تريق في الهجيرة ماء الحياة وتبدو أمام السماء وطناً مشوّها لا يستجلب طائراً ألمّ به الغياب ولا يستهوي عابراً أججه العطش .

غوري بعيداً أيتها الأرض التي سقتها من دمائها الأجداد وتزلزلي تحت خطى الفاسدين والخائنين والذين شربوا ، في غفلة الحيّ ، نخب  الوصول . تآكلي أيتها العاهرة فما عدنا نعدّ حياضنا للوضوء ولا نمدّ سجادنا للصلاة .. فها نحن نقضنا الوضوء وأبطلنا الصلاة . افتحي أحشاءك للنخر أيتها الطاعنة في الجحود ، فأنتِ طعنة في صميم التكوين فلا تدخلي في اشتياق المدن ولا تنهضي على أكتاف البلدان ولا تسرقي من بهاء المكان شكلاً بيّناً تبزّي به الأحياء . أنتِ عورة أدمنت فضيحتها وأنتِ أسيرة أدمنت أسرها وأنتِ متمردة روضتها سياط سود . أنتِ خدرتك الوصايا وأجهضت منذ الغسق الأخير أحلامك الجميلة .

كنتِ البدء وكنتِ الخليقة وكنتِ صحوتنا حين صحونا وكنتِ غفوتنا حين غفونا وكنتِ ميلادنا وكنتِ موتنا وكنتِ الزمان وكنتِ الحضور وكنتِ الغياب وكنتِ ..

أيتها الأرض التي طهرتنا من أدران بنا لحقت وأخرجتنا من خطايانا ، مَنْ أدخلك في ليل داج وسار بك نحو الهاوية  ؟ مَنْ حرّك في باب عفّتك هواء فاسداً  ؟ مَنْ مسح بزيت الخنوع جسد البتول  ؟ مَنْ أوصى الظلام ، كلّ الظلام ، أنْ يحتلّ روحك  ؟

أيتها الأرض التي تنفسنا هواءها وعشقنا ناسها وألفنا طرقاتها وافترشنا ساحاتها وشممنا عبيرها وتوحلنا بطينها وعصرنا في أفواهنا حنظلتها وتدبغنا بحمرة رمّانها وشربنا ماءها واحتسينا عسلها ورضعنا من ثديها حليباً نقياً شريفاً وارتشفنا رضابها وبخمرتها سكرنا وسقت آذانَنا همساتُ نسائها ووشوشات عشاقها .. وطربت لأحلامنا الكبيرة وضحكت من أحلامنا الصغيرة .

أيتها الأرض التي في دروبها انزرعنا مثل فسائل تكابد حرّ الصيف وتتقي برد الشتاء .. أيتها الأرض التي نطوف في أرجاء أزقتها آمنين فلا نكترث حين لم نجد نسمة تهبّ من شمالها أو دفئاً تكتنفه أجسادنا التي أذابتها سنوات العراء .. أيتها الأرض التي آخينا فيها قساوة الحجر ونعومة الشجر ، ألفة الماء ووحشة الرمل ومن طينها عجنّا آمالنا التي انذبحت أو تحطمت أو تبددت أو التي صارت هباء وانحسرت سراباً .

أيتها الأرض التي لا حياة بدونها ، مَنْ زرعك من جديد  ؟

مَن زرعك كما يريد  ؟

مَن علّمك هذا التوحش ؟

مَن يقنع هند بهذا الحطام  ؟

مَن يقنعها أنّ الأحلام بلا أجنحة  ؟

مَن يُخبر عن وجهة مسعد  ؟

وعن ضياعه مَن يسأل الطير  ؟

مَن يا أرض الكمأة  ؟

   يا هند ارمي في  اللُجّة ياقوتة العقل .. وإلى السحاب نصف تفّاحة القلب .. يا هند استعري فهذا الدغل ندي .. وهذا الليل كأفلاك تردد صدى الوحشة .. هذا الليل غياض تأسر في قبضتها الريح .. يا هند اصدحي وبددي صمتنا فهذا الزمن مخيف .

وهند لم تترك ليلاً بثقله يختال .. لم تترك بشراً في مهجع .. لم تترك شجراً ساكناً ولا حجراً صاغراً .. وهند تدوي .. كريح تعصف .. وهند صوت يخترق الجدران ويدمي القلوب .. وهند طير فردوسيّ يعانق نخلة في بستان الحزن .. وهند هي النخلة . فترفقي بجمّارك أيتها النخلة  .

***

تفضّلي يا سيدتي في داري الغريبة .

ادخلي في هذا الوهج الضاحك أو في شقٍّ شهوانيٍّ منه .

في عتمتي المميتة أو في بقعة مُخدِّرة منها .

ادخلي وكوني أُبهة الحضور وكوني الحضور الأليف .

تفضّلي يا سيدتي الفاتنة فمِن الواجب أنْ أرعى ضيفاً / طيفاً ، ومن الواجب أنْ أضع بين يديه سوسنة عمري لكي تنتعش .. ولكي تشهق ولكي تُمرغ بعطرها الصالة ولو للحظات .. ولو لساعات .. ولو لأعوام هذا لا يهم .

تفضّلي وادخلي معك كلّ الفضاء ، فالدرّ لا يملك وقتاً للفناء .. ونحن كما ترين بهاتين البحيرتين الصافيتين ، بنا أبحرت السفينة .

تفضّلي يا سيدتي وبوحدتي لا تحفلي .. فأنا رقيق مثل خيط العنكبوت ، وأنا عفيف مثل ملاك ، ووحدتي عابرة صنعتها الأطيار حين مرّت عبر سمائنا ذات مساء وانتزعت عرشي .

تفضّلي ولا تخافي انهيار مملكتي ، فهذا الخراب الذي تبصرين سيُرمم أو تشيده الدهشة من جديد .

تفضّلي ولا تخشي دماراً خلفته الحروب ، فلقد دارت هنا ، في صالة الاستقبال هذه ، حروب طاحنة .. حروب هي أكثر ضراوة من الحرب الزلتسية .

 لا تجفلي سيدتي الأميرة حين ينهض من بين الخراب مارد .

ادخلي يا امرأة وارشقيني بنظرة من طرفك الساحر أو بنفحة من عطرك الأخّاذ .

ادخلي في أرجوحة المساء .. إلى حيث ينام الطفلُ المهووس بالحلمات .. الطفل مجنون يا سيدتي الكريمة ، يحلم في كلّ الأوقات بنهر من المجون الأحمر ، يحمله على ظهر موجة من ريش أو من قطن أو من زغب .. والطفل مسحور بالتراشق يا سيدتي الرشيقة ولا يخشى المغامرة .. وعلى صدور الفاتنات لا يهاب الأسفار .. ولا يتثنّى أمام العيون الشرهة .. ولا يتراجع حين يصرخ الشبق القابع في الرجرجة الداعرة لأوراك نفذت من باب الشفق أو من نافذة الليل .

ادخلي يا سيدتي إلى حيث ينام الطفل تحت شجرة عظيمة السلالة .

تفضّلي ساحرتي ، كأني أرى الليل مونعاً في غلطة الفراش ، وأراك ملكة تقتحم عنفوان النهر بشهيق اللذّة .

تفضّلي يا امرأة عابثني معها الزمن .

كيف لا ابتهج بحضورك وقد ذرفت الذاكرة دمعتها .. كيف لا تقبلين دعوتي وقد تذكرتك يا امرأة حطّت على رمشي .. كيف لا أتذكر مَن كادت أنْ تفترس روحي .. مَن في خلوتي صرعتني .. كيف أنسى من شلّت تفكيري .. كيف أنسى يا امرأة ؟ تفضّلي يا صديقتي .. ادخلي كما يجب بكامل الجنون .

                                  ***

مَن يَعقِل غيمة سوداء فوق رؤوسنا تتعهر  ؟

مَن يعقلها لكي تكفّ عن مطرها الجحيم  ؟

مَن يوقف زمناً متهوراً على أبواب الحيّ  ؟

مَن يوقف تدفق موجة من دم يُسيّرها كلما أراد نحونا القرصان  ؟

مَن يشهر سيفاً ولو من وهم بوجه القرصان  ؟

مَن يخلص سفينتنا المختطفة من يد القرصان  ؟

مَن ينقذنا من الغرق  ؟

مَن يا أهل أرض الكمأة يضئ الليل  ؟

كنتُ في الطريق إلى مقهى يتقاسم مقاعده الصحب ، القي فيه حفنة من بذور الكلام وشيئاً من ألسنة لهيب الأسئلة أو أُفرغ على طاولاته ما يجيش في صدر فتى من غريب الحديث أو أسكب شطحات مما يدور في رأس امرئ من جنون الخيال . كنتُ معتملاً ، مولِّعاً إلى أقصى درجات الاشتعال ، حينما رأيتُ على مسافة قصيرة ياسين الأزدي بحكمته  الواسعة ، يرتدي ثياباً متواضعة .. ينقل بوهن قدميه باتجاه حديقة الحيّ في صحوة النهار .. كان ساهماً .. ملتحياً .. لم ألمح من وجهه الكثير سوى بعض علامات حزن . لم يبصرني على ما أظن ، لذلك لم نتبادل التحية ، وياسين اعتاد في الأيام التالية على غياب مسعد أنْ يختلي بنفسه طويلاً ، وينزع إلى التفكير كثيراً .. والحديقة تمنح ، لمَن أراد الخلوة بين أشجارها وورودها ، الهدوء وأنفاساً طيبة الرائحة ، ونفحات معطرة ندية من نسيم عليل . مضى إلى حديقته ياسين الأزدي وأنا إلى مقهاي تحولت.

في المقهى لم يأتِ الصحب

جلستُ طويلاً ولم يأتِ الصحب

في العادة يأتون بقرنفلات بيض وأعشاش طيور

هم عودوني على أن يرمحوا بقاماتهم الثلج

هم أطفال الصباح 

اعتذروا ؟

ليس هذا

في المقهى فراغ قاتم الكلام ومقاعد تبعث على الأسى .. مقاعد لا تريح النفوس وأخرى انتصبت كأنها ظلال .. في المقهى طيف سرب من طيور الشمس وصمت أزرق يمتطي سكون الجدران .. في المقهى أنا وزمن ثقيل من الانتظار .. في المقهى يأتي الصحب بوسائل الحوار ، فتخرج أخلاق المقهى ويسود الحوار .. في المقهى يأتي قلق وأشياء مريبة ، والشجرة التي انتصبت بباب المقهى قالت أشياء غريبة :

ـ لن يأتي الصحب يا هذا ، فالقامات الثلج ذابت تحت وهج الشمس ، والقرنفلات البيض في الطريق سُفحْنَ .. لن يأتي الصحب يا هذا .

أنصتُّ .. طالبت الشجرة بتكرار القول . صمتت .. الشجرة صمتت .

لم يأت أحد .. مكثتُ دهراً ونيفاً ولم يأت الصحب . جاءني صوتٌ .. من أين  ؟ لا أدري . قال الصوتُ :

ـ ارحل يا سيدي .. ارحل واترك المكان .

على عجالة رحلتُ .. أخليتُ المكان الذي لم يستأنس بسواي وغادرتُ المقهى . كنتُ خائفاً .. مرتعداً . في الطريق تذكرتُ ياسين الأزدي والحديقة ، فانعطفتُ نحوها . منذ زمن لم ادخل الحديقة .. ففي أرض الكمأة يقوم الشجر في كلّ مكان والنخيل بقاماته المديدة يبهج النفس ويقينا من وهج الشمس ، فلا تتولد لدينا ، نحن الشبان ، رغبة بزيارة الحديقة ، رغم ما تضفي ورودها وظلال أشجارها الوارفة من راحة على النفوس. وأنا في الطريق إليها تساءلت :

ـ ترى بماذا يفكر العم ياسين .. أيفكر بمصير مسعد ؟ وهذه الأوقات الطويلة التي يقضيها ما بين جدران الغرفة والحديقة كأنه في خلوة أبدية ، هل هي فقط للتفكير بمصير مسعد ؟ آه لو كنتُ في رأسك يا عم ياسين !

في الحديقة الواسعة بحثتُ عن العم ياسين فلم أجده .. توغلتُ فيها يميناً وشمالاً ولم أعثر عليه .. بحثتُ حتى أصابني دوار .. وقبيل أنْ اتركها لمحتُ شخصاً ممدداً على مصطبة تحت شجرة تفّاح . اقتربت منه .. حركته كان بلا حراك .. قلبته على ظهره .. برفق ندهت :

ـ عم ياسين .. عم ياسين

لم يجبني . ومرة أخرى :

ـ عم ياسين .. عم ياسين أنا طارق الشاهين أجبني .

لم يجبني . وضعت أذني على صدره ، كان مازال حيّاً :

ـ عم ياسين هل أنتَ نائم  ؟

لا جواب . اقترب مني رجلان قال أحدهما :

ـ ربما أغمي عليه أو دخل في غيبوبة .

ساعدني الرجلان في نقله إلى المستشفى . كان مازال حيّاً .

هل كان نائماً تحت شجرة التفّاح  ؟

 ***

ـ تفضّلي يا امرأة الأمس وادخلي .. ادخلي يا امرأة ملكت خواطري .

ـ أحقاً تذكرتني  ؟

ـ أجل يا امرأة المقهى .. يا امرأة حطّت كالهمس وطارت بجلجلة .

لكن .. إلى هذا المنفى مَن ألقى بك إليّ  ؟

مَن أطلق نحوي فراشة الشواطئ الزرقاء  ؟

مَن سخّر الريح لطير البهجة  ؟

أعلم أنّ الزمن يدور .. وأعلم أنّ المكان يضيق .. وأعلم أنّ الأرض آخذة في الصغر إلى أقل ما يجب أن تكون . لكن ..

إليّ مَن أرشدك  ؟

وإلى باب بيتي مَن أوصلك  ؟

وعليّ أن أسألك :

هل ساءت أحوال الناس في أرض الكمأة أم تغيرت نحو الأحسن تلك الأحوال  ؟

ـ لا تتسرع فأنا قادمة بالحديث .

                                  *** 

    اعقلْها ياسين .. اعقلْ هذه الغيمة التي أمطرتنا جحيماً وتسيدت . اعقلها يا سيدي فهذه البغيّ أتلفت خصوبتنا .. وأنا قمر يرعى ما تبقّى من لوثة الليل ويحرس نجوم السماء ، أطياف النائمين ودفء الفراش . أنا قمر يا خولة فلا تفصليني عن مجرّتي غبشاً . لا تجذبيني نحو مدارك .. أنا قمر ومن عرشي لا تنزليني .. ومن جمرتي لا تحرميني واتركيني في سمائي متقداً .

ـ أخاف على أبي من الموت يا طارق  .

ـ لن يموت أبوك يا خولة .. كان نائماً تحت ظلال شجرة التفّاح وحلم ببلدته .. حلم بتفاحة الريح .. حلم وطال حلمه ، فظنناه راح في غيبوبة ، بينما هو أغفى على رائحة التفّاح . لن يموت أبوك مادمت قمراً يسكن مداراً قصيّاً ويرعى نومة أبيك منذ دخول الليل فلا تنزليني في ساعة الغبش . أعرف أنك خائفة .. سأحمل في صدري خوفك وامضي .. وفي المساء القادم سأعود إلى مداري .. سأعود لأصلح ما أفسدته دعوتك .. سأحرس أحلام النائمين .

   اعقلها ياسين فهذه الغيمة تتعهر وتحجب عني أرض الكمأة .. اعقلها وبجذع شجرة التفاح اربطها حتى تتبدد وتسقي الشجرة فتنتعش وتزهر ثانية . اعقلها يا عم ياسين ، فأنا قمر جلب لك الحبيب من القريب والبعيد من الأهل والصديق .. فهذه شمس مازالت مشرقة كما عرفتها للمرة الأولى .. أين التقطتَ هذه الجوهرة يا أبت ؟ وهذه لبنى ابنتك الوسطى وتلك أروى ابنتك الصغرى .. وهذا سليمان ابنك البكر .. وهذا شهاب الأزدي أبوك الذي منه ورثت الحكمة والمعاني الكريمة .. وعلى رأسك أخوات يتطلعن إلى السماء برجاء أنْ تعيدك إليهن سالماً .. وهذا أبي شاهين ابن الحسن عزيز قوم مازال إلى جوارك شامخاً .. افتح عينيك يا سيدي وانظر إلى اخوة لك وأصدقاء .. فهذه أمي زينب صانعة الكحل وتلك هند التي طفح في صدرها شوق إلى مسعد فظلت بصوتها تحرث الليل . اعقلها ياسين فهذه الغيمة تتهور ، تتمرد وتحجب عني وجه الكمأة. وياسين يتحرك .. يفتح عيناً ويغمض عيناً أخرى .. وياسين يحاول أن يفتح عينيه معاً .. وياسين يتمتم .. ينطق .. يلقي نظرة على الحضور قاصرة .. يرسم على فمه ابتسامة فاترة .. وياسين يحاول أنْ يحيا .. أنْ يعيش .. وياسين يعود .. وخولة إلى مداري ترفعني وتصيح :

تألق يا قمر الكمأة .. تألق في مدارك القصيّ .

وعم ياسين بالكامل حيّاً يعود .. هل كنتَ نائماً تحت شجرة التفاح يا سيدي  ؟

عَقَلَها ياسين .. الغيمة المتعهرة عقلها ، وظلت تنفخ وتزأر حتى تبددت تحت شجرة التفاح التي ازدهرت فيما بعد .

سأحمل جسدي القمر وأعلقه على صليب نحاسيّ فمَن أراد الرجم فليرجمني ومَن طلب الصلاة فليصلِّ ، فأنا قمر مقبل على زوال ..عن أرض الكمأة سأزول .. سأهجر الأرض .. سأتركها وطناً ، ومسكناً غير صالح لجسدي .. سأتركها سماء غير صالحة لشروقي .. سأرحل عنها وعلى خولة أنْ تختار .. على خولة أنْ تحسم ترددها فيما لو ترددت .. أن تختارني أو تختار أرض الكمأة  .

                                  ***

   الذين تقاسموا معي المقاعد والطاولات لم يعودوا .. لم يعد رفاق المقهى . تتبعنا أثرهم ولا أثر .. إلهي هل صارت أرض الكمأة تبتلع أهلها ؟ مَن يُفقد ينقطع أثره .. مَن يغيب لا يعود . أيّ أرض هذه ؟ أيّ منفى هي ؟ والأماكن التي لا تمنح أهلها الأمان لا تستحق احتراماً .. المدن التي لا تحتفي بأبنائها لا تستحق منهم كلمة ثناء . الأحياء التي تصبح جحيماً عليها يبصق الأبناء .. آه يا أرض الكمأة  كم مرة غُدر بك وكم مرة خانوك وكم مرة اغتصبوك وكم مرة سرقوك وكم مرة صادروك .. حتى جننتِ .. آه يا أرض الكمأة أيّ وطن أنتِ ؟          

                                 ***

    في السكون تجذبنا أصوات حزن وحنجرة تستجلب مَن كان بعيداً متشوقاً وتسحرنا قيثارة تهمهم للقلوب الموجوعة وترشد تائهاً طاردته الوحشة .. نسكب في أحضان الليل أنهار حيرة ونشيجاً خجولاً .. نحصي خيبات ونعبر عثرات ونتذكر ، بقرفِ الرجال الحائرين ، وجوهاً غزتنا في غمرة انشغالنا بالنهارات الصاخبة .. ترعبنا الوصايا الجديدة المسطّرة على الجدران .. ويخيفنا جسد الحيّ الآخذ في التمزق حين يصبح أهل أرض الكمأة أعداء أنفسهم .. وحين تُمحى الحدود وحين تشرع أبواب الحيّ على مصاريعها فتتقاطر الأشباح من كلّ فجٍّ عميق لتحتلّ كبد الحيّ.

في السكون نداعب لدانة أجساد حنيننا فينهمر التياعنا شلالات تحرث الليل وينفطر لها الحجر .. ونحوم على ورودنا لنرى كم بقي منها وكم وردة تفتحت في غيابنا وكم غصن مازال نضراً وكم من برعم غضّ ابتهل إلى السماء ..

في السكون وفي ساعة من ساعاته الأشد بأساً ، عاد أبي إلى مائدته التي هجرها منذ رحيل جدّي الحسن ابن تميم ، ليشهر أمام الليل كأساً أليفة ، وليدنيها من شفتيه في عناق طويل .

وفي سكون الليلة يولم شاهين لصاحبه القادم من غيبوبة أبدية ، ياسين ابن شهاب الأزدي ، في طقس مثلوم البهجة بسبب تدهور أحوال أرض الكمأة وبسبب غياب مسعد الذي لم نعرف له أثراً .

في السكون تشرئب ذكرى رفاق الأمس ، رفاق المقهى .. يا إلهي كيف اختفى هؤلاء الصحب بيسر ؟ .. والليلة تتورد زينب أمام ضيوفها بمسحة حزن صادقة فتبدو مثل فراشة أصيلة اللون وهي نقية الطوية ، طاهرة الجانب . وفي السكون يستوحش المرء ويشعر بالضيق فيدلق جائشته :

أيها الموغلون في السكينة انتبهوا ، فسوف تعبث بكم العابثات وتنالكم المجتثات فتصفّكم في أخاديد عميقة الغور .

أيها المولعون بالصمت ، ستصرخ في آذانكم الطارئات وتجبركم على الكلام أو تفجِّر أسماعكم .

أيها " الكمأيّون " أرضكم في طريقها إلى التمزق وحياتكم في طريقها إلى التحلل سترعى فيها ديدان المعمورة ويردها الجارح من الطير والمتوحش والمفترس ، فحافظوا على أرضكم ورمموا في حياتكم الصدوع وانهضوا قبل فوات الأوان . إنّي أرى أرض الكمأة إلى خراب آيلة ثم إلى زوال .. فاصلحوا حالكم .. احزموا أمركم واجتمعوا على طرد مَن دخل أرضكم خلسة واستولى على أحوال الحيّ .

أيها العقلاء المبصرون بكم يقوى أهل هذه الأرض وبأفكاركم يتمسكون .. فأعلنوا صواب الرأي وفي طريق الصلاح امضوا .

في السكون وحين تتراكم على المرء الأفكار السود تهتف بلا وعيّ منها زينب :

ـ لن ترحل يا ولدي .

فتدمع عينا شاهين الذي ودع ضيوفه قبل ساعة وظلّ مقيماً يرقب ثمالة عصية على الشرب .. ظلّ صامتاً على امتداد الليل أمام محنة زينب التي باتت بلا حيلة هي الأخرى إزاء رغبتي في الرحيل .

في السكون وحين تجتمع الأحزان من كلّ حدب وصوب تنخرط هند في عويل طويل فتجود حنجرتها بما هو فاتن من غناء مؤثر .

وبعد هذا كله ونحن في السكون المطلق :

لم يعد مسعد

لم يعد رفاق المقهى .. لم يعد الصحب

لم تستيقظ على ضيمها أرض الكمأة

لم تكف الأشباح عن رشّ الكمأة بمادة قاتلة

لم تتوقف الوصايا

لم يبق داخل الحدود حكيم

لم يبق لأحد رأي أو رؤيا

وفي السكون المطلق خولة تختار :

ـ معك سأرحل ولو إلى آخر الدنيا .

ـ هل هذا قرار أخير ؟

ـ أجل وبإرادة حرّة .

 

                                 ***  

   تألق واعتقني أيها الياسمين في لحظة انتشاء ربما لن تأتي ثانية .. أطلقني إلى النور واسكر سكرتك المجيدة . انتزعي يا أرض الأجداد جوهرتي الفاجرة ، واصقليها لحفيد غيري يحفظ الأمانة ، فأنا تعبت من حمل الأمانة ، والأمانة ثقيلة وجدتها ووجدت نفسي غير قادرة على  حملها . اجليها في نشوة دفء لطفل يتخضّل بماء الرحم .. لطفل قادم من الغمر السري .. لطفل يبحث عن نسمة برد وهمسة حب ويُقبِّل وجه  الماء .. اصقليها لحفيد لا يتوسل ، من نهر العفّة ، نطفة .. اصقليها للقادم الذي يطرق باب الدهشة ، أما أنا فانتزعي من صدري الميراث الثقيل .. أما أنا فالسفر اعشوشب في صدري .. أما أنا فلم أكن سوى أشداق تتوهم ثدياً .. أما أنا فارحميني يا أرض الأجداد وازرعي لي جناحين من ريش أبيض يحملني كما العرائس إلى سماوات قصية .. أرشديني إلى طرق تنفتح على مدن لا تثقل روحي وإلى بحار لا تأخذني على ظهر قوقعة وتهبط بي إلى وحل النسيان . ساعديني يا أرض الأجداد فسوف اترك بعدي تاريخاً إنْ حملته معي انقصم ظهري .. فاتركيني خفيفاً بكامل طهارتي .. اعتقيني يا أرض الأجداد .. اعتقني أيها الياسمين للمرة الأولى أو ربما للمرة الأخيرة وامنحني شيئاً من روحك .. شيئاً من عطرك .. وشيئاً من رشاقتك . باركني فأنا لست بفضلك جاحداً . أتعلم كم نزفتُ من أجلك حباً وعناية ووقتاً .. وأنتَ  في حديقة البيت مبتهج  ؟ اعتقني فأنا من وريدي مشدود إليك . اعتقيني يا أرض الكمأة فأنا لا أعلم كيف ستكون ، إذا جفّت الرؤية ، الحدقاتُ .. ولا أعلم كيف ستبدأ ، إذا جفّ الدمع ، رحلة الماء .. ولا علم لي بمَن سيخطّ ، على جدران المعبد، بضع كلمات بعيدة عن الإيمان .. اعتقيني فأنا لا أعلم كيف سيكون الوفاء ولا أعلم بماذا يفكر الآباء ولا كيف سيصبح الأبناء .. اعتقيني فبوجوهنا ستغلق أبواب المطارات وستكفّ عن الطيران الطائرات ، وستأخذ السماء إجازة وتغادر زرقتها في عطلة صيف .. وبوجوهنا يا أرض الأجداد ستضحك جوازات السفر وسوف تمد لسانها .. وإن أردنا البرّ فسوف تُسرّح قطارات وبوجوهنا تتجهم محطات وترفسنا لاءات .. وإن أردنا البحر فسوف تغتاظ البحار وتنسحب بسفائنها إلى ما وراء المدار .

اعتقيني يا أرض الأجداد قبل أنْ يزحف نحو أجسادنا الغارقة في بحر اللذّة ملح .. وقبل أن يتعثر في نسغ دمائنا ملح .. وقبل أن يتكلس في شفاهنا ملح .. وقبل أن يتصيد في خواطرنا ملح . اعتقيني قبل أن يبتزّ هزالي ملح .. ويغني على عشبة جسدي ملح .

قبل أنْ يأتي مع الدورة

أو يصعد مع السوّرة

أو يدخل في الصحوة

قبل أن يبحر بماء العين

أو يمرّ في دورة الأشياء .

اعتقني أيها الياسمين لكي أطارد غربتي كما تطاردني الأشباح .. اعتقيني يا أرض الأجداد ولا تنشدي بعدي :

آه حبيبي

داهمتنا القطيعة

وفاتتنا المحطات إلاّ واحدة

أخذتك صوب المشتهى

وقالت : لن يعود

أحقاً حبيبي لن تعود  ؟

لن تشهق شوقاً 

لن تتحسر على زمني 

على زمنك

لن تبكي ندماً  ؟

وإذا الطرقات أنكرتك

وإذا الأرصفة أجفلتك

هل تعود  ؟

آه حبيبي

ليت المحطة قوّضتها العاصفة

ليت المحطة جفّت واقفة

ليتها

ليتني لم أكن

 ***

ثم باستغراب سكبت في عيني بريق عينيها وسألت :

ـ أين خولة  ؟

ـ مازلتُ منتظراً فهي عودتني على المجيء قبيل انطفاء الغبش أو كلما هبّت أنفاس اللوعة . هذه المرّة لم تأتِ .. تأخرت .

ـ لم أفهم  !

ـ ستفهمين يا ضيفتي العزيزة .

ثم أضفت متسائلاً :

ـ ماذا تشربين يا أميرتي الجميلة  ؟

ـ دعني التقط أنفاسي .

التقطي ما شئتِ ثم تكلّمي يا سيدتي الفاتنة البهية ، وفي أُذنيّ على امتداد الليل نغّمي ، فأنا مستمع حتى الإغماءة الأخيرة .. مدِّي واقصري وتمنطقي ، ثم توقّفي وتذكّري .. ارتشفي وترنّحي واعبثي وتمرّغي فأنا غارق في هذا اللقاء حتى هامتي وأنا مسحور أمام زرقة بحرك واندفاع موجك .. وأنا مبهور أمام صورتك .. ولكن للمرّة الثانية أسألك :

ـ ماذا يا حلوتي تشربين  ؟

ـ أي شيء تستعذبه جرأتي .. تستقبله مخيلتي وتعانقه شفتي .

ـ هذه من صفات الخمور .

ـ هي إذن .

ـ سأجلب لك كأساً من رؤى بلّورية وأحلام يقظة .. سأجلب لك كأساً من رحيق الزمان ، واشربي حتى اللهاث السعيد .. المعي فالليلة حجزتها المفاجأة لكي نلمع وننثر كلّ هياج الزهور على الوسائد أو فوق أريج الصدور .. الليلة أنشأتها المصادفات للاقتراب .. سنشرب يا درّتي وقليلاً نثرثر .. نشرب ونقترب .. نتحدث ونقترب .. نهمس ونقترب .. نضحك ونقترب .. نبكي ونقترب .. نهلوس ونقترب .. نقترب ونقترب . لكن يا سيدتي حدثيني عن أرض الكمأة أولاً .. عن أهلها ، وفي أعقابنا كيف صارت أحوالهم .. حدثيني يا سيدتي الملاك التي انهمرت كالحلم السعيد ، فأنتِ تعلمين ، عن الحيّ ابتعدنا منذ سنين وانقطعت التفاصيل .

ـ في أعقابكم مباشرة ، تركت أرض الكمأة ، حيث الحيّ لم يعد حيّنا حين تكاثر الهجين والدخيل وتضاءل الأصيل .. وحين صارت المعاني الكريمة سبّة أو مدعاة للتندر ، فكثر الهزيل .. عندئذ أصبحت الحياة لا تُطاق فهاجرتُ . ولجتُ المحطّات من أبواب مواربة حين بوجهي ، كما  بوجوهكم ، أُغلقت المطارات .. فانطلق بي الصفير ، صفير القطارات ، أياماً وليال حتى دخلت المانيا من جنوبها . في بادئ الأمر صُدمتُ حين وجدتُ عالماً مغايراً لعالمنا وأخلاقاً حرّة وعادات أخرى هي غير عاداتنا التي عليها نشأنا .. لكنني أيضاً بالجميل فوجئت وبالنبيل . بحثت عنكما طويلاً بدون جدوى ، ثم تذكرت أن أكتب لعمّة خولة الكبرى ، فهي صديقتي ، واطلب منها عنوانكما ، فكتبت وانتظرت مدّة حتى جاء الجواب .

ـ اشربي يا سيدتي .. فلنشرب نخبك .. نخب السلامة ونخب اللقاء ، واعذري لي جهلي بتلك الصداقة التي تربطك بعمّة خولة .. في صحتك يا سيدتي .. في صحتك يا امرأة المقهى .

ـ في صحتك يا رجل المقهى .

ضحكتُ بصوت عال ونغّمت هي .. ثم استفسرتْ :

ـ قُلْ لي أين خولة  ؟

ـ كنتُ في انتظارها .. فخولة عادة تأتي قبيل انطفاء الغبش أو كلما هبّت أنفاس اللوعة ، لكنها هذه المرّة لم تأتِ .. منذ الأمس لم تأتِ .. جاء الصبح وارتفعت إلى بطن السماء شمس ولم تأتِ .. انتظرتُ وعلى مداخل المحطّات نبتُّ وتبرعمتُ وتغصنتُ وتشجرتُ ثم تفرعتُ.. وجاء المساء وجئتِ ولم تأتِ .

ـ أين هي لكي تأتي أو لا تأتي .. ألم تكن زوجتك ومن الطبيعي أن تكون في بيتك ؟

ـ أجل .. هي تغيب وقتاً وتعود .

ـ أنا لا أفهم .. كيف تغيب وقتاً وتعود .. أين تغيب  ؟

ـ أنا أيضاً لا أفهم .. اشربي يا سيدتي .. اشربي فالليل طويل والحديث أطول .

ـ سأشرب لكنني متلهفة لسماع أخبارها .

ـ أصدقك القول ؟

ـ أجل .

ـ أنا أيضاً متلهف لسماع أخبارها .

ـ عجيب !!

ـ لا عجب في الأمر .. فحينما وصلنا إلى هنا قبل أعوام ثلاثة ، كان الزلتسيون يطلقون نحو السماء المنطفئة أقماراً ونجوماً ويحاكونها بعد دورة الرقص ، فالزلتسيون ينتشون بقرنفلة يعبث في أنوفهم أريجها ، وتسكرهم قطرات الطلّ المسترخية فوق أجساد الكؤوس . كانوا يا سيدتي أسرى الرخاء وسادة الانفلات ، في يوم سقاه العيد من ينابيع المتعة شراباً ودهنته الحناجر بزيت الصفاء . كانوا بعيد المدينة يحتفلون .. يشربون .. يرقصون .. يمرحون .. يمارسون ما تستعذبه النفوس إلى أقصى مدى ، ومن الحياة ينهلون من كلّ طيبة . ونحن ، أنا وخولة التي أثر فيها الحدث كثيراً  ، في حالة من ذهول .. ففي شرقنا العجيب لا نعرف غير  الأحزان ، وفي أرض الكمأة لا نعرف غير الآلام .. إنها قدرنا الأبدي . بعد عام من وصولنا إلى زلتسا ، طلبت مني خولة طلباً غريباً .

ـ ما هو ؟

ـ أنْ أساعدها على تحطيم قيودها . فتعجبتُ وقلتُ إنّي لا أرى قيداً   يكبلك . قالت بلى أنتَ لا ترى وأنا أرى وأحسّ وأشعر . قلتُ إذن حطميها . قالت هل اعتبر نفسي حرّة . قلت نعم . قالت وداعاً وسأعود كلما هبّت أنفاس اللوعة .. سأعود قبيل انطفاء الغبش .

ـ هل يعقل هذا  ؟

ـ لا ، لأني اعتبرت الأمر مزحة ، لكنه كان الحقيقة ، ومنذ عامين تختار أكثر الأغباش صفاء وتأتي .. أو حينما تهبّ أنفاس لوعتها .
ـ بمعنى آخر أنها لا تأتي دائماً  ؟

ـ لا ، هي تأتي أياماً معدودات من كلّ عام .. لكنني كنتُ يوم أمس متوقعاً قدومها ، وكنتُ لها مشتاقاً .

ـ أ مازلت تحبها ؟

ـ بجنون .

ـ هل تعرف مكانها  ؟

ـ لا .

ـ هل تعرف رقم هاتفها  ؟

ـ لا ، هي لم تسمح بهذا .

ـ هذا هو الجنون يا طارق .

ـ هذا ثمن الحرية .

ـ أنْ تُدمِّر حياة غيرها من أجل حريتها  ؟

ـ هذا صحيح . ومع هذا أحبها  .

ـ إذن أنتَ تتعذب ؟

ـ نعم هذا صحيح .

ـ ومنذ عامين تتعذب ؟

ـ صحيح .

ـ إنه العجب بعينه يا طارق .

ـ اشربي يا عزيزتي ولا تشغلي فكرك بما جرى .. فخولة لم تطلب انفصالاً ولا افتراقاً .. لم تطلب سوى حرية .. اشربي وعانقي هذه الكأس المزمومة الشفتين ولا تنكئي جرحاً كاد أن يندمل .. اشربي ونادميني يا امرأة المقهى التي لم أعرف اسمها ولم أعرف ماضيّها ولم أعرف حاضرها .. نادميني على كأس ضاحكة مشرقة بوجودك ولا تولولي من أجلي ، فهنا على وحدتي تعودتُ وعلى غربتي تطبعتُ وعلى تقلبات الطقس تدربتُ وعلى أحوال الناس أخذتُ وعلى أهل المدينة تعرفتُ .. وعايشتهم وعاشرتُ بعض نسائهم .. لكن كغريب .. أجل يا صديقتي كغريب حتى النّفَس الأخير .. ففي أرض الكمأة ومهما بلغ بي العذاب .. مهما بلغ بي النفور أبقى ابن الأرض الذي لا يُنادى بغريب . اشربي يا زهرة الليلة الغامضة وتفتحي أمام طاولتي المبتهجة واعبقي .. فزينب حين ودعتني للمرة الأخيرة ولثمتني للمرّة الأخيرة أصدرت فرمان الوفاء الذي نزل كالسيف قاطعاً : على خولة حافظ يا ولدي كما تحافظ على حدقتيك . وأردد : سأفعل يا أمي وإن كانت في حدقتي تسكن . اشربي يا امرأة أنتِ سيدة الليلة . وشمس حين ودعتها ولثمتها للمرّة الأخيرة وانهمرت أدمعها همستْ : على طارق حافظي يا ابنتي . وخولة تردُّ : هو نَفَسي الأخير . أتدرين يا سيدة الليلة أنّ الواحد منّا كان يحمل الآخرَ أمانة في عنقه  ؟ .. أتدرين يا امرأة الغربة أنّ الواحد منّا كان ينوء بثقل الآخر ؟ .. وكان على أحدنا أنْ يتحرر من هذا الثقل ، فكانت هي الأكثر جرأة . انسي يا قمري الجميل ونوّري المكان فأنا مشغول بإطعام الليل .. وأنا مشغول بهذا الطقس الممتع أمام اللوح الغاطس في كأس الخمر من  الوقت .. اشربي يا صديقتي القادمة من أطراف العتمة .. من وراء الذاكرة .. من وراء لهفة الغريب للغريب .. من وراء رائحة أرض مازالت تُلوِّث أنفاسك وتُلوِّث رأسك .. اشربي يا امرأة المقهى . آه لو أطلقتُ ، حين اللقاء المصادفة ، عليك التحية .. لو كلمتك همساً .. لو اغتصبتك نظراتي .. لو بك تغزلتُ .. لو تحرشتُ .. لو بوجهك مبهوراً انفجرتُ .. لو عليك تعرفتُ .. لو وسوس شيطاني .. لو عنّفتُ المقهى .. لو .. ما فائدة الندم يا عزيزتي .. نادميني وبددي هذا الهمّ الجاثم على صدري .. انتشلي روحي الغارق .. اسكري يا امرأة وابرقي وهبّي على جسدي إعصاراً يقتلع أبوابه ويعصف بحجراته ، فيرمي الصراخ إلى الطريق .. هبّي على وجهي حريقاً يحصد نضارة الروح ويأكل ثمر الشفاه .. هبّي رياحاً ثم تنسّمي ودغدغي البنفسج السكران ، واتركي الأنفاس تتمرغ في عذوبة المكان .. أنتِ يا سيدة المكان خلخلتِ المكان وعطلتِ الزمان المارق في تقويم الرؤوس .. أنتِ يا امرأة أُرسلتِ من ذاكرة الحيّ لاستطلاع الغربة ، اقتربي ولا تندهشي .. لملمي بعضك واقتربي .. ثم تحدثي ورفرفي وزقزقي واشرقي وانفرشي .. اقتربي يا امرأة المقهى التي انقذفت إليّ من شاهق أو من غفلة في زمني .. اقتربي وانسي طعنة .. ربما أنا مازلت لخولة عاشقاً .. اقتربي يا سيدتي لكي أهدي إليك الليل . خذي الليل يا عزيزتي .. انتزعي الليل يا امرأة  المقهى .

منّي تقترب ، وعليّ تنفخ ، وبوجهي تفحّ ، تتحرر من كلّ ما علق بها .. تتحرر من خجلها .. من كبريائها .. من ثيابها .. من خشيتها .. تتحرر من سنوات طويلة خلت ، أفسدت روحها .

يأخذنا الليل بكامل سحره .. يأخذنا سرير سكنه الدفء وعصف به   الكلام .. تأخذنا رشاقة الضوء الأرجواني . ترتمي على صدري عارية ، وعلى زندي بكامل أنوثتها .. تتغنج :

ـ كيف تشعر حبيبي وأنا على صدرك عارية  ؟

ـ كيف أشعر .. أنتِ كون أضاء المكان .. أنتِ كون ملأ المكان .

إنك تطفئين الليل ! 

خذي الليل يا امرأة ..

خذيه ولا تقبلي بأقلّ منه

خذي الليل ودعي الجسد البلّوريّ يراقصني

يبعث في رأسي النسيان

فالجسد البلّوريّ اختارني ، من قاع الغربة ،

وثناً من حجر متوهج وقال :

امنحْ للوردة أوسمة

والوردة لا تمنح غير العطر ..

لا تمنح غير العشق ..

لا تمنح غير بريق

يتجلّى على وجهها حياة

آه لو نزف الحجر المتوهج حنيناً

آه لو تحرك الوثن

آه لو تحطّم الجسد البلّوريّ وانبعثَ في الليل وردةً

هل يصرخ الحجر :

مَن علّمك أيتها الوردة سرّ الأنوثة  ؟

مَن علّمك إطلالة الشذا  ؟

الجسد البلّوري يراقصني على أرض من نسيان

والجسد البلّوري لا يستأذن القمر .

                                   ***

    جاء الصبح ومن شفاه الصبح نمتصّ رحيقاً .. جاء الصبح ونحن نطوي سيقان اللذّة وندخرها لعشق مجنون قادم .. جاء الصبح وعلينا أنْ نمرح في هذا العالم .. أن نهيم بذاكرة أو بجنون . نمرح ، نهيم ، أو نحترق من جديد بحجر متوهج أو نغتسل بالشمس ، فتنزل إلى البحر خطايانا . نبعث في الروح نغماً لكي ينبعث شوق أو يتقد جمر ، فنرتشف حليب الصبح . لم يهلكنا الليل حتى لو شرنقنا وخدّرنا وأطلق أسر زوارقنا وصلبنا على الموائد حين صرنا الحمائم .. الليل يهصرنا ويدفعنا بقوة أكفِّه إلى الصبح فينفلق بنا العنفوان .

   يأتي الصبح وتلوذ المدينة بحجمها الصغير .. ويلوذ الزلتسيون بأعمالهم القريبة والبعيدة ، فلا ترى منهم سوى نفر يُطَعمون الطريق كقطع الشطرنج القليلة على الرقعة . تمسك يدي :

ـ هذه المدينة لا تبعث البهجة في النفس ، خذني إلى مكان آخر .

ـ سمعاً وطاعةً يا صديقتي .. سآخذك إلى حدائق الملوك .

ـ هل هي بعيدة من هنا ؟

ـ لا ، ليست بعيدة ، في ضاحية هيرن هاوزن وهناك سأريك قصور الملوك الذين حكموا هانوفر في فترة تاريخية معينة . وسأريك حدائق الورود وأكثر من أربعين صنفاً من الورد الجوري . هيّا لا تتأخري .

  في الطريق طلبت أنْ تبقى معي .. تسكن معي ، تعيش معي ، تنام معي ، تسهر معي ، تعاشرني . في الطريق لبستني الحيرة . قلت دعيني أُفكّر يا امرأة . قاطعتني :

ـ أرجو أن تكفّ عن مناداتي يا امرأة .. يا امرأة المقهى .. يا سيدتي .. يا امرأة الليلة .. ما هذا ؟ نادني باسمي واسمي هدى .. أليس جميلاً  ؟

ـ بلى ، اسم جميل ، فأنتِ الهداية وأنتِ الهدايا .

ابتسمتْ راضية .

 داهمتني أسئلة كثيرة :

ماذا لو عادت خولة وإلى جواري وجدتها ؟ .. ماذا سأقول لو ركبها الحمق ؟ .. ماذا لو حصل صِدام بين المرأتين ؟ .. ماذا لو غابت بعدئذ خولة إلى الأبد ؟ .. ماذا لو غابت هدى إلى الأبد ؟ .. لكن .. ألم تنتزع خولة حريتها كاملة ولم أصادر منها شيئاً ؟ .. ماذا لو تعمقت غربتي ؟ .. أسئلة كثيرة دارت في رأسي .

ـ انظري إلى هذه الوردة الداكنة الحمرة . إنها كبيرة ومتفتحة كأنثى في الفراش ، ألا تشبهك ؟ .

وضعت رأسها على كتفي . أضفتُ :

ـ اسمها " الحب الساحر " . اسم جميل أليس كذلك ؟

ـ أجل .

ـ وهذه اسمها " الغيمة العطرة " لكن رائحة جسدك تضاهي عطرها وتفوقه في الطيب .

قبّلتني والتصقت بي . واصلتُ :

ـ وهذه أجمل ، اسمها "غناء بدون موسيقى " .. اسم عذب ألا ترين ؟. ابتسمتْ ولم تجب .

ـ أتحبين الورد الأصفر يا عزيزتي ؟

ـ أجل ، أحبه .

ـ انظري إلى هذه ، اسمها " رأس الملكة " ضحكتُ وأضفتُ : من المؤكد أن يكون رأس الملكة أشقر .. لا جدال في هذا . أو هذه انظري لونها لا يتناسب مع اسمها الجميل " ملكة الأساطير " وهي بيضاء موردة أو وردية مبيضّة ، كالحة اللون كما ترين .

ـ هل تعرف كلّ أسماء ورد الجوري ؟

ـ ليس كلها .. انظري إلى هذه " نبع الذهب " اسمها جميل . أنا أحبّ اللون الأصفر .. إنه لون بديع . لم تجبني .. تطلعت إليّ دلالاً ولم   تجب .. في حدائق الملوك قضينا النهار . قالت :

ـ تعبتُ فلنعد إلى البيت .

في طريق العودة سألتني :

ـ هل فكرتَ ؟

ـ نعم .. سافري وسوف أتصل بك بعد أيام .

ـ في صباح الغد سأرحل .

في الليل وبنفس راضية أهديتها كلّ الليل .

                                  ***

   فصل النهاية

        3

رقيقة جبهة الصبح .. رقيقة مثل شريحة ماء ، فلم يطرق بابي طارق ولا داعبته يد الهواء .. رقيقة مع نجمة الصبح أحلام العشّاق فلا تُطفئوا أيها العشّاق نجمتكم . رقيقة أجفان الصبايا حين تصحو . وفي السماء التي سكنتها من خلل الزجاج عيوني ، لم تمرّ مصادفة السحابة التي عن خولة سألتني ذات نهار .. ربما أخذت خفّتها وعبرت إلى الأبد .. ربما ثانية لن تطلّ . رقيقة هي الأنفاس التي تنبع في جواري .. وغليظة هي صناديق البريد ، فمن أرض الكمأة لا خبر يرد ، ومن أرض الكمأة تطلّ وجوه تتضبب كلما مرّ على الذاكرة زمن . تأتي أنّات زينب .. إني أسمعها تتقدم وئيدة ثم تقضّ مضجعي .. ومن كيس الذاكرة ، استخرج مخاوف شاهين ابن الحسن ابن تميم .. اطمئن يا أبي فأنا لم أرتكب إثماً .. ومن منامي يرفعني صوت هند العذب ، هند التي مازلت من أجلها أتعذب . وأرض الكمأة تبتعد ، وخولة تبتعد وتفاحة الريح لم تعد .. لِمَ لم يطلقوا عليها " تفاحة الروح " فهي إلى الروح أقرب .

هل عاد مسعد  ؟

هل كفّت الأشباح عن ارواء الكمأة بالمادة القاتلة  ؟

هل عاد إلى حديقته ياسين  ؟

هل التقى جدّي الحسن ابن تميم بجدتي الغزالة  ؟

هل كفّت شمس عن التخضيب بالشمس  ؟

أ مازالت تتكحل بكحل زينب ؟

هل ثاب " الكمأيّون " إلى رشدهم وحلّوا من قبضة القرصان  ؟

هل عاد رفاق المقهى من سفرتهم المريبة  ؟

هل عاد " الكمأيّون " إلى عقلائهم وحطّموا جدران الوصايا  ؟

رقيقة جبهة الصبح .. ولذيذ برد الفراديس .. وهدى كون ارجواني إلى جواري تتفتح مثل وردة " الحب الساحر " . ابقي إلى جواري أيتها الهداية والهدية .. تأخذني اطباقة جفن .. أُغالبها .. تغالبني .. غلبتني ، رأيت مجنوناً يتحرش بالصبح .. يُخدش وجنتيه ويحاول أن يطفئ النجم .

صحتُ بصوت عال :

                   لا تُطفئ يا هذا النجم

                  أيها الناس :

                  هذا المجنون يتحرش بالصبح

                  يصرّ على أنْ يطفئ نجم الصبح

                  قولوا له : النجمة أمل

                  فلا تطفئ يا هذا الأمل

 فزعت هدى :

ـ ما بك حبيبي ؟

ـ لا شيء يا عزيزتي .

نهضتْ .. ارتدتْ ثيابها .. جهزتْ نفسها .. اقتربتْ مني .. وقفت أمامي:

ـ سأرحل .

نظرتُ إليها نظرة طويلة حتى طفرت من عيني دمعة :

ـ لن ترحلي .

ارتمت على صدري بكل حنين الصباح . 

 

                                      فبراير ـ  2004                          

                                            برلين     

 

هامش

ـــ

* نسبة إلى مدينة زلتسا ( 30000 ) نسمة وهي مدينة صغيرة تابعة إلى مدينة هانوفر عاصمة سكسونيا السفلى .

** نهر صغير يخترق مدينة هانوفر وبعض المدن التابعة لها .

*** إشارة إلى حرب الثلاثين عاماً (1618 ـ 1648 ) وهي حرب ضروس دينية في ظاهرها .

 

 عن المؤلف :

 من مواليد البصرة  15 ـ 2 ـ 1952

أصدر الكتب التالية :

* ليلة ترخم صوت المغني   ( قصص ) 

* رقصة التماثيل             ( رواية )  

* خليج الفيل                 ( رواية )  

* الخلاسيون                 ( رواية )  

* جزيرة الهدهد              ( شعر  )   

* أطياف الندى               ( شعر  )