صحتك بالدنيا

د. بهاء الدين الخيلاني

مشاهدات اجتماعية وصحية

النظافة من الإيمان .. واللياقة والنظام يزيدان الاحترام

 

ليس الهدف من كتابة هذا المقال الدخول في شرح أمور النظافة وخاصة في الإسلام الذي دعى إليها بشدة، بل واعتبرها شعيرة أساسية من شعائره وركناً من أركانه، فلا الصلاة تصح دون الوضوء، والميت لا يمكن أن يوارى الثرى دون غسله. هذه الأمور لا جدال فيها ولقد أكد العلم والطب عليها لما فيها من فوائد جمة للروح والجسد. ولكن الذي دعاني إلى الحديث عن هذا الموضوع الحساس جدا هو شعوري بالمسؤولية كطبيب مسلم وعربي تجاه أبناءنا وتصرفاتهم في هذا المجتمع الذي ينظر إلينا بعينين ثاقبتين وخاصة هذه الأيام، والتنبيه إلى هفوات أبناء الجالية العربية  وكشف الأخطاء الصحية التي يرتكبها البعض بدون قصد أو لأسباب عدم المعرفة أو لعادات متوارثة لم نقم حتى الآن بمناقشتها بصراحة.

وبما أننا على احتكاك يومي مع الشعب الألماني في مواقع عدة، منها الجيرة والدراسة والعمل والمراكز العامة وأماكن الشراء والنزهة والعيادات والمواصلات ... إلخ. لذلك وجب علينا أن نراعي هذه الحالة الحرجة لأننا لم نعد ضيوفا في هذا البلد سنرحل غدا إلى أوطاننا العربية، بل أصبحنا جزءا من هذا المجتمع لنا شخصيتنا وكياننا وعاداتنا العريقة التي نفتخر بها والنظافة واللياقة والنظام هي أمور الاعتناء بها رفع لمستوانا وحفاظا على الدين الحنيف . وهناك اليوم جيل عربي ثاني وثالث أو رابع ينمو ويترعرع في هذا المجتمع. لهذا فالمسؤولية تقع على عاتق الجميع وهي كبيرة وبالأخص على الآباء والأمهات. وإلا فكيف سنظهر بصوره عربية شرقية مشرفة ونظيفة تزيد من احترام الألمان لنا.

المشهد الأول: كنت حزينا لوفاة والدتي رحمها الله ولم استطع السفر حينها إلى الوطن لحضور مراسم الدفن والفاتحة، فقمت بتنظيم الفاتحة على روحها بدعوة الأصدقاء والمعارف وإقامتها في احد المساجد الموجودة في برلين. وحضر جمع غفير وأجريت المراسم من الوضوء قبل الدخول إلى صالة المسجد وحتى شرب القهوة المرة وقراءه الفاتحة والترحم على روح الفقيدة إلى الدعوة لأكل الخروف المحشي. وجلسنا بعدها في جو سادت عليه شيئاً من الاريحية وبدأ الأصدقاء يكلموني بأمور دنيوية وعامة ليخففوا عني حزني وليشغلوا  فكري بأمور أخرى لان الحياة هي هكذا والموت سنتها ولا تبقى إلا الذكرى الطيبة والأعمال النبيلة. ولأنني طبيب بدأ احد المعارف بسؤالي عن عله يشكو منها وكانت علته في قدميه وبالتحديد ما بين الأصابع، فهو يشكو هناك من حكة شديدة وآلام أثناء المشي، وحاول استعمال أنواع الكريمات والأدوية وتتحسن الحالة ولكن بعد فتره تعود الحكة والهرش بين الأصابع مرة أخرى. ولكي يزيدني علمأ، وهو شيء معروف بالنسبة لي، بدأ بنـزع الجورب وإظهار موضع الداء. وظهر ما بين الإصبع الرابع والخامس من القدم الأيسر فيه احمرار جلدي وتقرحات مغطاة بطبقة قشرية بيضاء مائلة إلى الصفرة. وذكر بان نفس الأعراض موجودة في القدم الأيمن أيضأ. فسألته إن كان يتوضأ بصورة  يومية ولعده مرات، فرد علي بالإيجاب، فتعمقت معه بالسؤال عن ما يفعلهُ بعد الوضوء وهل ينشف ما سقط من ماء وبقى ما بين الأصابع، فأجاب بالنفي. هنا أصبحت الحالة عندي أوضح، وشرحت له خفايا الأمور والتي يجب أن يعرفها كل مسلم ملتزم ويؤدي فريضة الصلاة. إن سبب الداء هو الفطريات، ( وهي مخلوقات حية حقيقة النواة غير متحركة لا تحتوي على اليخضور لذلك فهي غير ذاتية التغذية . معظمها عديد الخلايا ومنها ما هو وحيد الخلية.  تنتشر هذه الفطريات في الهواء - التربة  المياه وتتطفل على النباتات والحيوانات مسببه لها الأمراض وغالبيتها تعيش في الظلام حيث الدفء والرطوبة).

وهنا تتوضح الصورة، وعندما يعرف السبب يبطل العجب، فهذه الفطريات تعيش مع صاحبنا وتترعرع بالظل والظلام وتنمو وتتكاثر في الرطوبة بين أصابعه والتي توفرها الرطوبة والمياه التي تتدفق يوميا من خلال غسل القدمين أو السباحة أو الوضوء. فما هو العلاج: ليس العلاج فقط بالا دويه بل أن العلاج الفعال هو سلب هذه الفطريات المتطفلة مقومات الحياه التي تعتمد عليها، الماء والرطوبه، وذلك بتنشيف ما بين الاصابع بواسطة منديل؛ خاصة  بعد الوضوء، لأنه هو الأكثر تكراراً في اليوم. بالإضافة إلى لبس جورب نظيف والدخول بعد ذلك لأداء الصلاة، ونزع هذا الجورب بعد خروجه ولبس جورب آخر نظيف عند لبسه الحذاء، وبعد رجوعه إلى المنزل عليه غسل هذا الجورب بالماء الساخن وبدرجة 60 درجة على الأقل للقضاء على جميع الفطريات والجراثيم التي علقت به من السجاد أو الأرض. وأتوجه هناإلى القائمين على المساجد أن  يوفروا مناديل ورقية  للتنشيف في أماكن الوضوء وتنظيف السجاد بين فترة وأخرى بواسطة البخار الساخن، وبذلك لن تجد الفطريات والبكتريا مرتعاً لها. وعلى فكره فان هنالك أماكن أخرى في جسم الإنسان تتكاثر فيها هذه الفطريات وخاصة في الفم على اللسان ، جلدة الرأس، منطقة المحاشم ما بين الساقين وكاحل القدم وفي مناطق أخرى حين تضعف مقاومة الجلد بسبب الأمراض المزمنة أو بسبب تكرار الضغط عليه والاحتكاك به، فتتهشم  بعض الخلايا في الطبقات السطحية منه وتكون غذاءً سهلا للفطريات اللعينة.

المشهد الثاني :    في يوم من الأيام تعطلت سيارتي فاضطررت للذهاب إلى العيادة بواسطة القطار(الاوبان) وكان حظي جيدا بوجود مقعد شاغر. وجلست أتفحص هذا الجو الاوباني الذي كنت قد نسيته وكنت متعوداً عليه أيام زمان، أيام الدراسة الجامعية، جلست أراقب من حولي، وهم أيضا يراقبوني بطرف العين. وكان تجلس أمامي أمراة عجوز ألمانية تقرأ الجريدة بعين وتراقب من حولها بالعين الأخرى، وللعلم فان العجائز في ألمانيا هم البوليس السري الشعبي الذي يراقب كل شيء وينتقد إذا  رأى خطأً بكل صراحة وبصوت مسموع. وبعد أن اطمأنت المراة إلى محيطها عادت تقرأ جريدتها. وفي المحطة التالية خرج من خرج ودخل من دخل، ويا ليتني نزلت وغادرت هذا الجو الاوباني. حيث دخل اثنان ذوي سمات شرقية، تأكد لي بأنهما عرب بعد سماعي لكلماتهم. وهو شيء عادي بالنسبة لي ولكن بالنسبة للسيدة الألمانية والحضور له وقع آخر. لقد كان كلام الإخوان غير منضبط ويتم بصوت عال لا يراعي أحدا وفيه شيء من الفظاظة والنقاش الحاد، وكأنما هما جالسان في جاي خانه (مقهى شعبي لشرب الشاي). هذا الصوت الغريب جعل الحاضرين وخاصة هذه العجوز تلتفت إلى مصدره وتتفحص مسببي هذه الجلجلة من الرأس إلى القدمين. وماذا ترى... صندوق فرجة ... احدهم شعره اشعث وعيناه تراقب الجميع بقصف عشوائي وهو يتحدث إلى صاحبه ليس فقط بكلامه بل أيضاً بحركات يديه البهلوانية الوصفية والتي تفضح ما يقصده بلغة الإشارات. وقد ظهر بأنه ذاهب إلى العمل وقد هددوه بالفصل ويريد أن يرفع دعوى على صاحب له اخذ منه مالاً ولم يرجعه وغير ذلك من المشاكل الخاصة والتي لم يجد مسرحاً آخر لعرضها إلا هذا المكان الضيق. الذي أزعجني بالدرجة الأولى هو منظر هذا الشخص، وكأنه قد نهض الآن من الفراش ودخل إلى القطار بدون أن يمشط شعره ويحلق لحيته، وفي عينيه أثار السهر.

 وسألت نفسي ما وقع هذا المنظر على هذه العجوز وهي تسمع لغة لا تفهمها وجارحة لسمعها لحدة النقاش. لاحظت ذلك من تعابير وجهها المتأففة وقلق نظراتها وهي تجاهد محاولة عدم الاهتمام بما يحدث والغور والتخفي خلف أسطر الجريدة. سألت نفسي: يا ترى ما هي هذه الصورة المنفرة الغريبة العجيبة التي نقدمها عن أنفسنا أمام الألمان؟ إنهم يحبون النظافة والانضباط والنظام. ويحبون الأطفال وهم في أحضان أمهاتهم أو عند ذهابهم إلى المدارس بقيافة جيدة ووجوه نظيفة وابتسامة مشرقة وأدب. فأين هذا من ذاك ومتى يقتدي بعض الكبار بما يفعله جيل الصغار الصاعد.

المشهد الثالث :  وصلت العيادة متأخراً بعض الشيء فوجدت جمهرة من المراجعين ولم اعرف السبب لان المرضى يأتون حسب مواعيد مسبقة، إلا الحالات الطارئة لها الأسبقية، وبعد تسجيل الأسماء دخلت الممرضة حانقة الوجه وهي تقول أن هنالك ثلاثة مراجعين عرب بدون موعد ويريدون الدخول قبل المرضى الذين عندهم موعد بحجه أنهم مستعجلين وليس لديهم وقت إضافة إلى أنهم أصدقائي. خرجت إليهم لأتأكد من وجود أصابة مرضية تستوجب المعاينة الفورية، وظهر بأنه مريض واحد ومعه مرافقين، وبعد الاعتذار من المريض الذي عنده موعد، أدخلت هؤلاء (الأصحاب) والذين لا أتذكر متى رايتهم في أي مأتم آخر مرة، وبعد دخولهم وجلوسهم وتبادل التحيات بدأ

 الأخ المريض بوصف ما يشكو من ألآم وحرقان في المعدة منذ عده أيام. وإذا بالمرافق الثاني يتدخل ويضيف بان أخيه في الوطن يشكو من نفس الحالة منذ سنين ولا يرتاح إلا إذا اخذ هذا الدواء، وابرز ورقه مكتوب عليها اسم دواء لعلاج القرحة (وهو دواء غالي الثمن لا يجوز إعطاءه إلا بعد إجراء فحوصات تثبت وجود قرحه، ورجاني أن اكتب هذا العلاج مرتين ، لصديقه المريض ولأخيه البعيد.وهنا تدخل صديقهم الثالث وكأنه يجب أن يقول شيئا ليثبت وجوده، وبدأ يشرح هو عن آلامه وما يعاني من تقلبات معوية كلما أكل المقلوبة. وقمت بدوري بفحص المريض وشرح أسباب المرض وعلاجه الدوائي وطلبت منه توخي المأكولات الدسمة الثقيلة وحسب الحكمة القائلة بان المعدة سبب الداء والحميه رأس الدواء، وبعد كل جمله يتدخل الإخوان وأنا جالس على أعصابي انظر إلى الساعة وأشفق على المريض المسكين الذي ينتظر في غرفة الانتظار وانه لا يعرف بان الذي سمح له أن يأخذ دوره هم ثلاثة بدل واحد. القضية التي أزعجتني بالدرجة الأولى هي فقدان هؤلاء المراجعين لأي شعور بحرمه العيادة والتصرف بكل أنانية وعدم الشعور بان هنالك مراجعين آخرين لهم أيضا حقوقهم وآلامهم وهذه ابسط مفاهيم السلوك الجيد واحترام الإنسان لحقوق الآخرين لكي يحترموا هم بدورهم حقوقه.

وسنتواصل معكم في مشاهد أخرى تفتح أعيننا على اخطاء في حياتنا الصحية واليومية ..... والى اللقاء